أسامة السيد-القاهرة

"دلعها في الغيارات.. وريّحها عالمطبات".. "تعمل حسابي أقدّرك تهزر معايا أعوّرك".. عينتان من العبارات المكتوبة على "التوك توك" وسيلة النقل الشعبية التي غزت مدن وقرى مصر منذ نحو عشرين عاما.

وتذهب التقديرات إلى أن أكثر من ثمانية ملايين "توك توك" دخلت مصر حتى الآن تفرض نفسها مشهدا لافتا لمن يتنقل في أي مدينة أو قرية من قرى مصر سواء في الدلتا أو الصعيد والبالغة حوالي خمسة آلاف قرية، ويتبعها عدد كبير من العزب والكفور والنجوع يبلغ أكثر من عشرين ألفا تتزايد فيها "التكاتك" باطراد ملحوظ.

وفي إحصاء رسمي صدر عام 2014 أعلن أن 74 ألف "توك توك" من إجمالي الثمانية ملايين هي المرخصة فقط، لكن الغريب في الأمر أن الحكومة التي تسمح باستيرادها بغزارة تلاحقها في كل مكان، ويبلغ الأمر حد المصادرة خلال الحملات المرورية كما يقول العديد من أصحاب تلك "التكاتك".

ولأنها بلا أوراق في الأغلب يشكو من صودر "تكتكته" أنه لا يستطيع إثبات أي شيء ضد أفراد السلطة أو الشرطة الذين صادروه، ويقول إنه يباع في الخفاء لآخرين من محافظات أخرى، وتتضاعف مأساة هؤلاء بذهاب مصدر عيشهم، حيث يقول أحدهم إنهم يدفعون ثلاثين ألف جنيه (حوالي أربعة آلاف دولار) ثمنا له، وربما أكثر في بعض المحافظات، وكثير من أصحابها اشتروها بأقساط مؤلمة نظرا لضعف قدراتهم، والمركبة الواحدة منها تعمل ثلاث "ورديات" (شفتات)، وتفتح ثلاثة بيوت، ومصادرة المرور لها "تحرم تلك البيوت من مصدر عيشها".

ملايين "التكاتك" دخلت مصر وأغلبها من دون رخصة (الجزيرة-أرشيف)

وبقدر ما تعكس ظاهرة "التوك توك" جانبا من المعاناة الاقتصادية فإنها تعكس جانبا يتعلق بالقيم والأخلاق في "زمن التوك توك" فلم يكن يخطر ببال رائد علم الاجتماع الراحل سيد عويس حين أصدر كتابه "هتاف الصامتين" الذي بحث فيه ظاهرة الكتابة على هياكل المركبات في المجتمع المصري المعاصر أن وسيلة جديدة اسمها "التوك توك" ستظهر بعد 45 عاما، وتغزو أنحاء مصر وستشيع شعارات مختلفة بل وتتناقض مع تلك التي رصدها أواخر الستينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين.

قراءة في تلك العبارات التي لا يكاد يخلو منها "توك توك" في مصر هذه الأيام تظهر الفارق مثل "الحلوة لما تتدلع تخلي الأسفلت يولع".. "يا تهَدِّي يا تعَدِّي"".. "تركب أسليك.. تنزل أولَّع فيك".. "متقولش دي بكام.. دي جايه بدهب المدام".. "ما تبصش كده يا عبيط.. الحلوة دي بالتقسيط".. "احسدوني.. لما أسد ديوني.. ثلاث عجلات برفارفهم نازلين يجيبوا مصاريفهم".. "حبيتها وقعدنا نلكلك.. أتاريها طمعانة في التوك توك".

ويترحم أحد سائقي التاكسيات الذي ناهز السبعين من العمر على الحال قائلا إن ملاك المركبات في مصر في الستينيات والسبعينيات كانوا يضعون مصحفا أو إنجيلا صغير الحجم في سياراتهم أو يعلقون في مرآة المنتصف "خمسة وخميسة"، أو مسبحة، أو حجابا، أو بعض سنابل القمح أو دمى أو حدوة حصان للتبرك والتيمن واتقاء الحسد، لكن راكب "التوك توك" الآن لا يجد غير سماعات قاسية تصم الآذان، وغناء هابط لا يظهر منه سوى صخبه.

 أصحاب "التكاتك" يشكون خطر المصادرة (الجزيرة-أرشيف)

وفي "هتاف الصامتين" رصد عويس في بحثه الميداني أن الناس كتبوا على مركباتهم عبارات من الأغاني السائدة، مثل "أبو سمرة السكرة"، و"اتمخطري واتمايلي يا زينة"، و"بتبص لي كده ليه"، وتصدرت أغاني أم كلثوم، مثل "أروح لمين"، و"اسأل روحك اسأل قلبك "، و"طوف وشوف"، و"أكثر من مرة عاتبتك".

ونافستها كلمات أخرى من أغاني عبد الحليم حافظ وغيره مثل "سواح وماشي في البلاد سواح"، و"سوق على مهلك"، و"فوق الشوك مشاني زماني"، و"من الموسكي لسوق الحميدية"، إلى جانب تعبيرات شعبية، مثل "آخر طريقك فين؟"، و"حلوة صلاة النبي"، و"خليها على الله"، و"ما تبصليش بعين ردية وبص للي اندفع فيّ"، إضافة لآيات قرآنية وإنجيلية، مما دفع سيد عويس للتشديد على ضرورة تمعن هتافات الصامتين الذين اختاروا أسلوبا سلميا للتعبير عن مطالبهم وأحلامهم.

و"التوك توك" من وجهة نظر أنصاره ساهم في حل أزمة المواصلات خصوصا في المدن الصغيرة، والقرى وأحياء كثيرة في الإسكندرية، والقاهرة التي تضم وحدها أكثر من ستين منطقة عشوائية امتدت في كافة الاتجاهات وأحاطت بالعاصمة كالسوار المحكم، لقدرته الكبيرة على التسلل إلى الشوارع الضيقة والمناطق النائية، وتسهيل حياة الملايين يوميا من الكادحين، وكما ساعد في تخفيف حدة البطالة بين الشباب وعمال القطاع العام المسرّحين والمتبطلين، وحل مشكلة التنقل في القرى المصرية بعد توسعها العمراني الكبير.

على الرغم من ذلك فإنه متهم من قبل معارضيه بأنه فاقم أزمات المرور لأن "التكاتك" كما يقول هؤلاء "تتحرك كالصراصير، وتخنق شوارع العشوائيات، وباتت المشادات بين سائقيها والميكروباصات مشهدا اعتياديا، واستخدمها قلة من المنحرفين في ارتكاب جرائم فردية هنا أو هناك".  
 

المصدر : الجزيرة