وديع عواودة-حيفا

تستحق قرية عرابة البطوف لقب "مدينة الطب الفلسطينية" لأن نسبة الأطباء فيها من الأعلى بالعالم. فحسب معطيات المجلس المحلي للقرية الواقعة داخل أراضي 48، أنهى 259 من أبناء عرابة دراستهم للطب منهم 159 يزاولون هذه المهنة اليوم.

ويستدل من قائمة الأطباء في المجلس المحلي على أنهم أنهوا دراستهم العليا في جامعات الأردن والولايات المتحدة، لكن أغلبية خريجي وطلاب الطب فيها تعلموا ويتعلمون في الدول الأوروبية خاصة ألمانيا وإيطاليا.

وبالنظر لعدد سكان عرابة البطوف (24 ألف نسمة) فإن هناك 6.6 أطباء لكل ألف نسمة، في حين تبلغ النسبة العامة في إسرائيل 3.3 أطباء لكل ألف نسمة.

بعد كوبا
وبذلك تأتي عرابة في المرتبة الثانية في العالم بعد كوبا التي يحظى كل ألف نسمة فيها بخدمات 6.7 أطباء.

ووفق معطيات وزارة الصحة الإسرائيلية تبلغ نسبة العرب من القوى العاملة في مجال الطب نحو 10% (حوالي 24000 طبيب في إسرائيل).

وردا على سؤال الجزيرة نت، يفسّر رئيس المجلس البلدي في عرابة علي عاصلة كثرة الأطباء بتقاليد حب العلم والثقافة في بلدته.

ويشير أيضا إلى اعتبارات اقتصادية بعدما صارت مهنة الطب مصدرا لتأمين معيشة محترمة خاصة لأولئك الذين يتخصصون ويصبحون خبراء في مجالاتهم.

ويتفق معه الصحفي عوض دراوشة -ابن عرابة- وهو أيضا يشير إلى استمرار  التمييز العنصري في إسرائيل بحق المواطنين الفلسطينيين كسبب للجوء إلى مهنة الطب.

ويوضح دراوشة للجزيرة نت أن إغلاق أبواب العمل في الكثير من المجالات الهامة في وجه العرب قد دفعهم إلى الإقبال الواسع على مهنة الطب.

العرض والطلب
ويستذكر أن الإسرائيليين باتوا أقل إقبالا على تعلم مهنة الطب، لأنه يستغرق سنوات طويلة، فتحولوا لدراسة الهندسة والعلوم التكنولوجية المربحة.

من جهته يشير الطبيب توفيق عاصلة من عرابة البطوف إلى أن العمل في المرافق الصحية أكثر راحة للعاملين العرب لتميزها ببيئة ودود أكثر من غيرها.

وهذا -حسب رأيه- يفسر أن 50% من الأطباء العرب يعملون في مرافق طبية عامة لا في عيادات خاصة، مشيرا إلى عمله هو وثلاثة من أشقائه الأطباء في مستشفيات.

ويؤكد الطبيب توفيق للجزيرة نت أن الفضل في دراسته وإخوته نزيه ومهدي وهادي الطب ودراسة بقية أشقائه وشقيقاته الثمانية دراسات أكاديمية أخرى، يعود لوالديه المحبين للعلم رغم قسوة الأوضاع الاقتصادية.

أم الأكاديميين
وتشير والدة توفيق الحاجة نظيرة عاصلة (72 عاما) ولها شقيقان طبيبان، أنها حلمت دائما بدراسة أبنائها الطب بعدما حزنت لمشاهدة عمال عرب يعملون في أعمال بناء بشروط قاسية جدا في حيفا.

وتروي للجزيرة نت أن ابنها البكر نزيه رفض في البداية الاستجابة لطلبها بدراسة الطب بدعوى أنه "عاطفي وحساس"، لكنه اقتنع بعد إلحاحها وتبعه بعض أشقائه. 

الحاجة نظيرة عاصلة: الفضل لله الذي منح أبنائي الذكاء وحب العلم والثقافة (الجزيرة نت)

لكن أم نزيه فخور بنجاح كل أبنائها (ثمانية أولاد وأربع بنات) بإنهاء الدراسة الجامعية في المحاماة والتربية.

وتستعيد المصاعب وتقول إن زوجها الراحل كان يستأجر مئات الدونمات ويقوم بفلاحتها ويعمل فيها منذ ساعات الفجر كي يؤمن ما يوفر احتياجات الأسرة المحبة للعلم.

وتتابع "كان زوجي أبو نزيه مولعا بالعلم والثقافة كوالده وكعمه الذي سبق أن تعلم في الجامعة الأميركية في بيروت قبل نكبة 1948".

وتبدي أم نزيه شعورا بالسعادة بنجاح أبنائها، وتحرص على الشكر لله أولا، وتقول إن الله وهبهم الذكاء، متمنية لكل أم أن يوفق الله أبناءها للتعلم.

شغف المطالعة
وأم نزيه سيدة متواضعة تكره الغرور، لكن إطراءات الناس على أبنائها تسعدها، وعن ذلك تقول "أينما تجولت أسمع ذلك، وقد قالت لي سيدة قبل أيام إنها تدعو لابني نزيه بكل الخير يوميا، لأنه أمّن لها دواء نادرا، كما شكرتني في ذات اليوم سيدة أخرى لشفائها بإذن الله على يد ابني الطبيب هادي".

الأم التي حرمت متابعة تعليمها بعد المرحلة الابتدائية، تتمتع بقسط وافر من الثقافة وتواظب على المطالعة وترى أن الأم هي أساس النجاح لانشغال الأب بتأمين المعيشة.

 وتتابع بثقة "الإنسان كالغرسة يحتاج لرعاية وسقاية، وهذا ما قمت به والحمد لله".

المصدر : الجزيرة