دعاء عبد اللطيف-القاهرة

مستندا على حاجز معدني يحيط الضريح، تمتم مسعد عبد ربه (41 سنة) بكلمات، ثم سحب ورقة نقدية من جيب جلبابه ليضعها في صندوق أسود مغلق بسلاسل حديدية، ليعاود التمتمة وهو يتأمل مرقد السيدة زينب الكائن بالحي الذي يحمل نفس الاسم وسط القاهرة.

وزيارة مرقد السيدة زينب عادة يكررها عبد ربه -وهو مريد لـ"الطريقة القنائية" الصوفية- كل شهرين، فيقطع نحو مئتي كيلومتر من بلدته بمحافظة بني سويف جنوبي مصر، ليبقى ساعات بجوار الضريح.

ويعتبر عبد ربه المال الذي وضعه بصندوق النذور "واجبا لاستمرار بركة أم العواجز على أسرتي" ولا يشغل باله مصير تبرعه، ويقول "لا أعرف تحديدا مصيره ولكن جدي روى لي أن خادمي السيدة يأتون ليلا ليوزعوه على الفقراء".

 النذور تكثر خلال الموالد (الجزيرة)

وعبد ربه ليس وحده فمئات الآلاف يشاركون سنويا في وضع أموال بصناديق النذور المنتشرة بالمساجد التي بها أضرحة آل البيت والأولياء الصالحين، ويقترب عددها من ثلاثة آلاف مسجد، ويحيط حصيلة أموال تلك الصناديق، كثير من الغموض، فلا تعلن وزارة الأوقاف المسؤولة عن إدارتها وتحصيل أموالها حصيلتها.

ولكن التصريحات الصحفية لمسؤولي الأوقاف، تؤكد تجاوز المبالغ عشرات الملايين من الجنيهات. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أكد وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، تخصيص مئتي مليون جنيه (حوالي 26 مليون دولار) من حصيلة صندوق عمارة المساجد وصناديق النذور لإحلال وتجديد المساجد المغلقة.

وفي مسجد السيدة نفسية -أحد أهم مساجد آل البيت في مصر، والذي يقع بحي الخليفة في القاهرة- وأمام ضريح المسجد يقف عامله ليراقب حركة وضع أموال النذور، رغم تركيب وزارة الأوقاف أربع كاميرات لمراقبتها.

أتباع الطرق الصوفية أهم المتبرعين لصناديق النذور ويحصلون على نسبة من حصيلتها (الجزيرة)

ويؤكد العامل -الذي رفض ذكر اسمه، نظرا لمنع وزارة الأوقاف العاملين بها من الحديث عن النذور- وضع الكاميرات مؤخرا بعدما كثر الحديث عن سرقة النذور. وأضاف أن فتح الصناديق يتم بحضور ممثل لوزارة الأوقاف وقسم الشرطة التابع له المسجد وإمام الجامع، ويتم إثبات المبلغ المحصل في محضر رسمي.

وأوضح أن الصناديق تحتوي أيضا على عملات ذهبية وأجنبية، فضلا عن أدعية وشكاوى. وتابع "أغرب شيء وجدناه بأحد الصناديق كان رسالة تهديد بالانتحار كتبها صاحبها أو صاحبتها لأن السيدة نفسية لم تتوسط له عند الله لتحقيق ما يتمناه".

وقال مصطفى أحمد -أحد أئمة الأوقاف- إن جنسيات عديدة تزور أضرحة مصر كالباكستانيين والهنود والمغاربة. وأوضح أن ميعاد فتح تحصيل أموال النذور يختلف من مسجد لآخر تبعا لكثافة الإقبال، فتفتح كل أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو كل ثلاثة أشهر. "وخلال أيام الموالد ورمضان يكون الإقبال بشكل أكبر، لذا تفتح بشكل أسرع عن باقي أيام السنة".
 
وحول اتهام العاملين على صناديق النذور بسرقتها، قال أحمد "إن مبعثها أبناء الطرق الصوفية، لأنهم أكثر المتبرعين لتلك الصناديق".

الطاهر الهاشمي يطالب بضرورة الشفافية بشأن أموال صناديق النذور (الجزيرة)

ولأن جانبا كبيرا من مقدمي النذور هم أتباع الطرق الصوفية، فإن قانون المجلس الأعلى للطرق الصوفية حدد نسبة 10% لطرق الصوفية من أموال النذور. و يعتبر الأمين العام لـ"الطريقة الهاشمية" الطاهر الهاشمي، النذور "هدية لآل البيت وأولياء الله الصالحين".

وقال الهاشمي للجزيرة نت "إن مشايخ بالصوفية طالبوا مريديهم بعدم تقديم النذور لأنها تذهب لوزارة الأوقاف" التي اتهمها بـ"محاربة محبي آل البيت وتكفيرهم". وانتقد الغموض المحيط بتلك الأموال، مشيرا إلى ضرورة الإعلان عن مبالغ النذور ومصارفها لتحقيق الشفافية.

وأهم عشر مساجد تضخ أموال النذور هي، الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة وأبو العباس وإبراهيم الدسوقي والسيد البدوي والسيدة حورية وأبو الحسن الشاذلي والعارف بالله وأبو الحجاج الأقصري، وفق قول الهاشمي.

ويرجع ظهور صناديق النذور بمصر إلى عهد الفاطميين مع بداية ظهور أضرحة لآل البيت الصالحين وبناء المساجد عليها، وفق ما ذكر الشيخ محمد عوف، عضو جبهة علماء الأزهر.

وعن الحكم الشرعي في أموال النذور، قال عوف للجزيرة نت إن تحليلها أو تحريمها "يتعلق بنية مقدمها. فإذا كانت نية مقدم النذر لغير الله بمعنى توجيهه لبشر فهو مال حرام، فالنذر لغير الله شرك، وما يترتب عليه حرام من مال أو طعام، أما لو كانت النية بهدف إعمار المساجد وإطعام الفقراء فهو حلال". ولفت الشيخ الأزهري إلى مشكلة سرقة أموال صناديق النذور من جانب المشرفين عليها.

المصدر : الجزيرة