خميس بن بريك-تونس

أمام دكان أعشاب طبية في قلب سوق البلاط بتونس العتيقة، ينتظر صالح الماجري دوره وراء طابور يعج بالنساء لشراء "خلّ الهندباء" الذي يقول إنه يصلح لإزالة الدهون من الدم.

يعاني صالح منذ عقدين من ارتفاع الدهون بدمه، وهو مرض يتسبب في ظهور الجلطة الدماغية، وزاد من معاناته رحلته الطويلة بين المستشفيات الحكومية والخاصة بحثا عن علاج دون نتيجة لأن جميع الأدوية والعقاقير التي وصفها له الأطباء "لم تقبلها كبده".

قبل سنتين، قرر هذا الرجل اللجوء إلى التداوي بالأعشاب الطبيعية فالتجأ بقلب مؤمن لسوق البلاط حيث عثر على ضالته في خل مستخرج من نبتة يطلق عليها "الهندباء" تستورد من أوروبا ساعدته على تحقيق معجزة بإذابة نسبة كبيرة من الدهون، وفق روايته.

وهذه الحالة "ليست معجزة" لدى بعض المختصين بالأعشاب، فالتاجر محمد المحظي -الذي ينشط منذ خمسة عقود بسوق البلاط حيث تعلم بالوراثة المداواة بالأعشاب- يتذكر جيدا أن مريضا بالسرطان يعرفه نجا من هذا الداء بفضل نبتة "عود الشر".

يقول المحظي إن هذه النبتة تأتي من شجرة صفراء لا ثمار فيها، لكن التجار أصبحوا يطلقون عليها "عود الخير" بفضل المنافع القيمة التي تتميز بها، مؤكدا أن "الكثير من الزبائن يقصدون السوق لشراء هذا الدواء الذي يشفي كذلك من الالتهاب الكبدي".

سوق البلاط غالبا ما يشهد حركة نشطة قبيل منتصف النهار (الجزيرة نت)


ومثل الماجري، يؤم كثيرون سوق البلاط  للبحث عن الدواء العربي، وهو اسم يطلقه التونسيون منذ القدم للدلالة عن التداوي بالأعشاب الطبيعية التي تحتل مكانة هامة لدى جزء من المجتمع، وإيمانهم بأنها تمنح الشفاء من أمراض قد يعجز الأطباء عن معالجتها أو حتى في إزالة السحر.

وطيلة قرونٍ، ظل "سوق البلاط" متخصصا في بيع الأعشاب الطبيعية، فالدكاكين الصغيرة هنا ما تزال تشكل قبلة فريدة للزوار الذين يبحثون عن علاج بديل.

وتنتشر في سوق البلاط الأعشاب الطبية بمختلف الأشكال والألوان. وعلى طول الأزقة الضيقة والملتوية التي تشكل شرايين السوق الواقع في مكان غير بعيد من المدينة العتيقة بالعاصمة، يعلق تجار الأعشاب فوق دكاكينهم الصغيرة أكواما من مختلف الأعشاب.

ومع ساعات الصباح الأولى، يفتح تجار سوق البلاط أبواب دكاكينهم المليئة بالأعشاب والعقاقير المستخرجة من أسرار الطب القديم، ثمّ يوزعون بعضها في صناديق من الورق المقوى وأكياس صنعت من الحِلفاء ليعرضوها أمام محلاتهم على الزائرين.

والمتجول في السوق يلاحظ عند البداية كيف تدب الحركة بشيء من البطء، ثم سرعان ما يشعر تدريجيا بأنّ الأزقة الضيقة -التي تغص دكاكينها برزم الحشائش اليابسة وبعض البضائع الحديثة- قد ازدادت ضيقا لكثرة الازدحام.

ويوميا، يتوافد على تجار الأعشاب الطبية المئات من الزبائن أغلبهم من النسوة اللواتي يأتين من كل حدب وصوب بحثا عن أعشاب يعرفها التجار جيدا رغم غرابة أسمائها أو بحثا عن "دواء عربي" لبعض الأمراض المستعصية أو لفك السحر.

المحظي: السوق حافظ على بريقه بفضل الأعشاب التي مثلت حلا شافيا لأمراض مستعصية (الجزيرة نت)

وما يزال المحظي -الذي ورث الدكان عن أبيه- يحافظ على سحره ورونق ديكوره البسيط الذي "يسر الأنظار ويشد انتباه المارين من أمامه لجمال هيئة الحشائش المعلقة في أرجائه".

ويقول إن السوق حافظ على بريقه بفضل الأعشاب الطبية المتنوعة التي مثلت حلا شافيا لأمراض مستعصية لم ينجح بعض الناس في مداواتها بواسطة الأدوية الحديثة.

رأس هذا الرجل الذي اشتعل شيبا يختزن قائمة طويلة من أسماء أعشاب طبية محلية وأخرى مستوردة من بلدان عربية وآسيوية.

ومن أهم الأعشاب المتداولة بالسوق نبتة "النوخا" لعلاج حصى الكلى و"الخلنج" لعلاج البروستاتا و"أم الجلاجل" لتنظيف الرحم.

ومن أبرز الأعشاب الأخرى "عود البخري" لمعالجة مرض الصداع النصفي، و"العرعار" ضدّ الإسهال، و"الحبة السوداء" التي لها منافع عديدة، و"الحلبة" ضدّ ارتفاع الحرارة و"الزنجبيل" لعلاج الضعف الجنسي.

المصدر : الجزيرة