خميس بن بريك-تونس

يجلس عبد الرزاق كاهية وسط محلّه محاطا بأكياس مبعثرة مليئة بطرابيش حمراء وأخرى سوداء، يراقب على مضض قدوم الزبائن الذين تناقصت أعدادهم كثيرا مقارنة بالسابق حيث كانت صناعة الشاشية (قبعة) رائجة في تونس.

ورغم تفشي الكساد في هذه الصناعة التونسية الأصيلة ما زالت ابتسامة هادئة ترتسم بوجه هذا الحرفي الذي ظلّ وفيا لمهنته لأكثر من نصف قرن سائرا على درب أجداده، حتى أصبح في الوقت الحالي أمينا لأصحاب المهنة.

يوجد محلّ عبد الرزاق بمدخل سوق الشواشين التي تخصصت بصناعة الشاشية بأحد أزقة المدينة العتيقة بالعاصمة والتي بنيت منذ قرون في عهد الأتراك.

لكن سوق الشواشين لم تعد تضمّ سوى عدد قليل من أصحاب هذه الصناعة بعدما أغلق كثير من الحرفيين محلاتهم وغيروا نشاطهم.

ويتحسر كاهية على زمن كان فيه سوق الشواشين يعج بالمعلمين المختصين في صنع الشاشية. ويقول إنّ "تغيّر نمط لباس المجتمع التونسي وعزوفه عن اللبس التقليدي أضرّ بهذه السوق العريقة وباتت لا تضمّ سوى عشرة حرفيين مقابل المئات في الماضي".

ويضيف أن السوق المحلية التي كانت تستوعب في السابق كل منتجات الشاشية أو الطربوش التونسي أصبحت طاقة استيعابها اليوم "لا تزيد عن 5% فيما تصدر الكمية الكبيرة الباقية إلى دول أفريقية مثل ليبيا ونيجيريا والنيجر".

لكن علامات الحسرة تختفي فجأة لتظهر على تقاسيم وجهه ابتسامة عريضة حينما يسترجع صورة السوق القديمة وهي بأحلى أيامها الجميلة، قائلا "كان جميع الناس متمسكين بلباسهم التقليدي الأصيل وكانت السوق مزدهرة ونشطة للغاية".

ويضيف للجزيرة نت أن الناس كانوا يعتبرون الشاشية رمزا للأصالة والشهامة لدرجة أنها لا تختفي من فوق أي رأس، وكان الرجال يرون أنها بلونها الأحمر الداكن وشكلها المستدير تزيدهم هيبة وشموخا.

البضائع الحديثة بدأت تغزو سوق الشواشين التاريخية وسط تونس القديمة (الجزيرة نت)

وليس هذا فحسب، بل يقول إنهم كانوا يرتدون الشاشية المصنوعة كليا من صوف الضأن لاتقاء برد الشتاء القارس لقوتها على التدفئة.

ويوضح كاهية أن صناعة الشاشية موروثة عن جيل المسلمين الذين هاجروا من الأندلس بعد سقوطها للمغرب العربي. وأن المعلمين الأوائل تكتموا على سرّها واحتكروا صناعتها لعقود طويلة في العاصمة تونس دون سواها من المدن.

وتمرّ صناعة الشاشية بمراحل عديدة قبل أن تكون جاهزة للاستعمال. وتنطلق أولا بغزل الصوف الصافي على يد نساء متخصصات في هذا العمل ثمّ يقمن بخيطه بخمس إبر لإنتاج ما يعرف "كبّوس"، وهو عبارة عن طربوش كبير الحجم.

وعقب ذلك، توجه تلك الطرابيش الواسعة إلى مصنع متخصص في تصغير أحجامها حتى تأخذ حجمها الطبيعي على شاكلة شاشية مستديرة قبل أن ترسل لمصنع آخر ليجعلها أكثر ليونة.

وفي النهاية يضع صناع الشاشية علاماتهم التجارية على تلك الطرابيش، ثم يقومون بتمشيطها بآلة حديدية مهمتها استخراج الشعرات الحريرية للشاشية حتى يتسنى إرسالها فيما بعد للصباغة كي تأخذ ألوانا مختلفة.

وإلى اليوم تبقى صناعة الشاشية التونسية أحد أقدم الصناعات التقليدية اليدوية القديمة، وفق تأكيد عبد الرزاق الذي يقول إنه شهد عصرا كانت فيه الشاشية "زينة الرجال".

المصدر : الجزيرة