عاطف دغلس-نابلس

بزيه الشعبي الملون وطربوشه الأحمر المزخرف وصوته الشجي، يطوف الفلسطيني زيد الشامي شوارع مدينة نابلس بالضفة الغربية وأزقتها ليوقظ الناس للسحور، مرددا أغاني وأناشيد حفرت في ذاكرتهم وقلوبهم مكانا فصاروا يرددونها بعفوية مطلقة.

ويعمل الشامي (42 عاما) مسحراتيا في حي رفيديا غربي نابلس، وارتبط اسمه بعمله منذ 14 عاما، وارثا المهنة عن والده الشيخ أبو إبراهيم الشامي الذي ذاع صيته وصوته في أحياء المدينة، بعد أن كان "يُسحّر" الناس بمكبرات الصوت في مسجد الحي.

ويواصل الشامي عمله دونما انقطاع بذات العرف والتقليد بالضرب على طبل يحتضنه بين ضلعيه ومكبر يدوي للصوت، في مسيرة تستمر ساعتين يوميا دون كلل أو ملل أو حتى تناول سحور لنفسه.

للمسحراتي زيد الشامي حكايته مع الأطفال الذين ينتظرونه على أحر من الجمر يوميا (الجزيرة نت)

عُرف سنوي
يقول الشامي للجزيرة نت التي رافقته في عمله إنه اختار لنفسه هذه المهمة بعد والده حبًّا للناس وخدمة لهم، خاصة أنهم اعتادوا عليه، ولم يكن هناك مجال ليتركهم بعد هذه السنوات.

ويضيف أن الصغار والكبار يعرفونه وينادونه باسمه ليلتقطوا معه صورا تذكارية، وبعضهم يرافقه ويردد معه الأغاني والأناشيد مما يجعله يشعر بحب الناس له وانتظارهم طوال العام ليعيدهم إلى ذكريات مضت وانقضت.

ولذلك يحرص الشامي على ألا يتأخر يوما عن موعد التسحير أو يغيب عن الأماكن التي اعتاد زيارتها، ولذا اعتاد السهر وعدم النوم حتى تنقضي مهمته، ويقول إنه لا يتناول السحور مع أطفاله وأسرته ولا يأخذ معه سوى الماء.

وعرفت نابلس -كغيرها من مدن وحواضر فلسطينية وعربية- بانتشار المسحراتية خلال رمضان، لكنها تميزت بأكثر من واحد منهم وباستمرار الحفاظ على هذه اللوحة التراثية.

وكان المسحراتي قديما يتلقى أجرا ماديا أو بعض الحلوى نهاية شهر رمضان بعد أن يطوف ومعه أطفاله على بيوت المواطنين ممن كان يُسحّرهم.

لكن الشامي -رغم بساطة حالته وأوجاعه الصحية- يعف عن سؤال الناس "إلا من قدّم بنفسه"، ويؤكد أنه لا يقوم بعمله بطلب من أي أحد أو جهة رسمية التي يلومها على قلة الاهتمام بمثل هذا التراث، خاصة أن عدته وأدواته تبرع بها سكان الحي الذي يقطنه، فهو بائع بسيط للمشروبات الساخنة في منطقته.

المؤرخ زهير الدبعي: المسحراتي جزء أصيل من التراث والثقافة النابلسية (الجزيرة نت)

حب وتراث
ويحتفظ الشامي بأناشيد والده المسحراتي ويرددها على مسامع السكان الذين لا يزالون يتناغمون معها ومع ألحانها، مما يجعله مميزا، وينادي على بعض المواطنين بأسمائهم كي يستيقظوا، ويتهافت عليه الصغار والكبار طلبا لذلك ويحضرون له الطعام والشراب أيضا.

ويقول الطفل معاذ حسونة إنه يجتمع ورفاقه من أطفال الحي ويتبعون الشامي في رحلته اليومية، "حيث يسمح لنا بالغناء في مكبر الصوت خاصته ويذكرنا بأغنياته".

وتؤكد ميسر عطياني -من حي رفيديا القديم بنابلس الذي ينحدر منه الشامي- إنهم لا يستغنون عنه مطلقا، وتقول "أصبنا بانتكاسة العام الماضي بعدما تعرّض لوعكة صحية وتأخر قرابة عشرة أيام".

وتضيف أن الشامي "جزء مهم من التراث يجب دعمه لا محوه، سواء بأدوات الاحتلال أو عبر الثقافات المسقطة علينا من كل مكان".

ويقول المؤرخ لشؤون نابلس زهير الدبعي إن عادة المسحراتي عادة قديمة ارتبطت بنابلس منذ البداية، وكان واحد منهم في كل حارة من حارات بلدتها القديمة منذ القدم وحتى الآن.

وقال الدبعي للجزيرة نت إنه رغم طرق الإيقاظ الحديثة والمختلفة فإن للمسحراتي نكهته الجميلة والممتعة، خاصة في مدينة بحجم نابلس تاريخيا وثقافيا.

ويبقى الاحتلال هو الخطر الفعلي الذي يواجهه الشامي في عمله، حيث يتعرض لاعتداءات مباشرة من جنوده أثناء اقتحامهم لمدينة نابلس حيث يطلقون عليه قنابل الصوت والغاز والرصاص أيضا.

المصدر : الجزيرة