قرن ونصف قرن من الزمن كانا كفيلين بأن يتبدل حال فرقة "حسب الله" للفنون الشعبية في مصر التي باتت تكابد الصعاب لتفادي الانقراض بعد أن كانت تصدح آلات مؤسسها بالموسيقى الكلاسيكية إلا في الحفلات الملكية بقصور الخديوي زمن الحكم العثماني.
 
فبمرور الزمن تشكلت فرقة تعزف في مختلف المناسبات الشعبية لأبناء الطبقتين المتوسطة والأرستقراطية، ولا سيما الباشوات والأعيان، وصولا في نهاية المطاف إلى المايسترو عزت الفيومي (71 عاما) حفيد مؤسس الفرقة وآخر من تبقى من أعضائها.
 
عزت الفيومي الحفيد الأخير للشاويش (رتبة عسكرية صغيرة) لحسب الله مؤسس الفرقة التي لا تزال تحمل اسمه لم يعد قادرا على عزف آلة الكلارينت (آلة نفخية) بعدما تساقطت أسنانه.
 
قصته مع الفرقة الشهيرة يتحدث عنها الفيومي لمراسلة الأناضول بقوله "منذ خمسين عاما وأنا أعمل مع فرقة حسب الله، ومنذ صغري وأنا أعزف على آلات مختلفة، لكن الآن أعزف على آلة الكأس النحاسي، والطرومبيطة (طبلة كبيرة)".

ستنقرض بموتي
بحسرة يمضي عزت قائلا "مهنتي ستبقى ما دمت حيا وستنقرض بموتي، لا يغر أحدا أن في الفرقة ستة عازفين غيري، فأنا المايسترو الذي يحثهم على البقاء، وجميعهم لديهم أشغالهم الخاصة، وجميعنا نواجه خطر الانقراض، أنا آخر شخص في فرقة حسب الله".
 
وعن الفارق بين زمن جده وزمنه يرى الفيومي أن "فرقة حسب الله تغيرت إلى الأحسن.. أصبحنا نحضر مناسبات اجتماعية مختلفة، سواء كانت أفراحا أو أعياد ميلاد أو حفلات طهور (للمولود الجديد)، أو افتتاح محلات، وحتى نقل أثاث العرسان، حيث نحيي هذا اليوم.. هذا بعكس أيام جدي حسب الله، حيث كانت مناسبات عزف الفرقة قاصرة على الأفراح".
 
متحديا أي محاولة للتقليل من فرقته الموسيقية يقول الفيومي "نغني ونعزف القديم والجديد.. نحفظ كل الأغاني الوطنية الجديدة التي أعقبت الثورة (عام 2011)، لأننا لا نضمن أن يطلب شخص أغنية بعينها".
 
"موسيقى حسب الله مثل الفاكهة".. مع هذه الكلمات فقط ضحك المايسترو كما يحب أن يسمي نفسه، متابعا "الموسيقى التي نقدمها تجعل الناس سعداء، تجعلهم يرقصون ويضحكون.. سعادتي في أن أرى الناس سعداء، وأشعر بالحزن لو قدمنا موسيقى لم يرقص عليها شخص واحد، وكأن أحدا طعنني بسكين".
الفيومي (الثاني من اليمين): الموسيقى التي نقدمها تجعل الناس سعداء وتجعلهم يرقصون ويضحكون (الأناضول)

لا أخجل
يمضى الفيومي صاحب التجاعيد التي تشي بمصاعب واجهته للمحافظة على الفرقة "للأسف الفرقة ستختفي وتنقرض بموتي، وستكون حية بحياتي.. الأجيال الجديدة تشعر بالخجل من عملي لكن أنا لا أخجل.. لأن هذه المهنة تساعدني على أكل العيش (جني المال الضروري)".
 
وبعدما كانت ملابس الفرقة هي الزي "الكاكي" وبه أزرار ذهبية يجلب حفيد حسب الله وبقية أعضاء الفرقة إلى كل حفل زيهم الموحد الذي أصبح من اللون الأزرق ويرتدونه فوق ملابسهم حفاظا -كما يقولون- على عراقة الفرقة.
 
حال الفرقة حاليا لا يختلف عن الصورة التي أظهرها فيلم "شارع الحب" الشهير بطولة عبد الحليم حافظ وصباح، وعبد السلام النابلسي الذي ظهر في دور "حسب الله الـ16" قائد الفرقة التي عانت في الفيلم من أوضاع مزرية وصعوبات مالية، لكنها كافحت حتى ساعدت عبد الحليم على الدراسة في معهد الموسيقى.
 
حسب الله الذي عكست عبارته الأشهر في الفيلم أهمية الفرقة في ذلك الوقت "أنا حسب الله الـ16 آخر سلالة آل حسب الله.. السلالة التي غزت جميع الميادين، من القاهرة إلى الإسكندرية، أنا حسب الله رضيع الفن ونابليون أكبر فرقة موسقية نحاسية".

المصدر : وكالة الأناضول