ياسين بودهان-الجزائر

يتطلع "صنايعية النحاس" ممن يمتهنون حرفة النقش على النحاس بمدينة قسنطينة الجزائرية لأن تكون تظاهرة عاصمة الثقافة العربية التي تحتضنها مدينتهم بداية من منتصف الشهر المقبل فرصة لإنقاذ حرفتهم من الزوال، من خلال التعريف بها، والتسويق لها محليا وعربيا.

ومدينة قسنطينة المشهورة بمدينة العلم والعلماء، فهي مسقط رأس رائد النهضة الإصلاحية بالجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهي مشهورة أيضا بمدينة الجسور المعلقة، وبمدينة سيرتا عاصمة الدولة النوميدية، فضلا عن شهرتها بحرفة النقش على النحاس، وتنتج حوالي 70% من الإنتاج المحلي من هذه الصناعة العريقة، التي انتشرت في المنطقة منذ العهد العثماني عام 1740.

وقد ساهمت هذه الحرفة في التعريف بمدينة قسنطينة دوليا وعربيا، ونظرا لجودة منتجها فهو منتشر في دول عربية منها ليبيا وتونس وسوريا، كما حصدت العديد من الجوائز في مهرجانات دولية أهمها جائزة أحسن صناعة حرفية خاصة بالنحاس في مهرجان الصناعات التقليدية والحرفية في العاصمة السورية دمشق عام 1998.

صناعة النحاس بالجزائر تصارع من أجل البقاء (الجزيرة)

صراع البقاء
ورغم ارتباط هذه الحرفة بتاريخ وتراث وأصالة المنطقة، وتوراثها الأبناء جيلا بعد جيل، إلا أنها باتت اليوم تصارع من أجل البقاء، وفي جولة قادت الجزيرة نت إلى "حارة النحاسين" الموجودة بشارع الشهيد دحماني عاشور المعروف بحي بارادو وسط مدينة قسنطينة، وقفنا على حجم التراجع الكبير في انتشار الحرفة، فأغلب المحلات التي كان يمتهن أصحابها نشاط الزخرفة على النحاس غيرت نشاطها.

وفي حديثه للجزيرة نت أوضح عمار -صاحب أحد المحال المتخصصة في النقش على النحاس- أنه على مدار خمسين عاما كان شاهدا على مسار وتاريخ هذه الحرفة، فمنذ القدم هناك ارتباط وثيق بين الأواني النحاسية والأسرة القسنطينية، أو غيرها من الأسر على مستوى مناطق الشرق الجزائري"، فلا يخلو بيت أي عائلة يقول من "الأدوات النحاسية، خاصة المرشات، والمزهريات، والشمعدانات، والسينيات التي تقدم من خلالها القهوة للضيوف بكل لوازمها".

ويضيف "كانت العروس لا تزف إلى بيت زوجها إلا بعد أن تقتني حاجتها من الأواني النحاسية"، لكن اليوم -يقولها بكل حسرة وألم- "باتت الأواني المقلدة والمستوردة من الصين تغزو بيوت الجزائريين، وتقضي على الصناعة المحلية رغم جودتها العالية".

سمير (48 عاما) عامل بالورشة التي يمتلكها عمار وجدناه منكبا على نقش سينية كبيرة قال للجزيرة نت إن الحرفة التي تعلمها منذ أكثر من عشرين عاما تواجه تحديات تهددها بالزوال، أهمها غلاء سعر المواد الأولية، والسبب في ذلك هو احتكار مجموعة من رجال الأعمال استيراد هذه المادة من الصين وإسبانيا، وكشف لنا أن سعر رقاقة واحدة من النحاس الذي تصنع به السينية يقدر بـ10 دولارات.

سمير: الحرفة تواجه تحديات تهددها بالزوال أهمها غلاء سعر المواد الأولية (الجزيرة)

صعوبات
غلاء الأسعار والمدة التي تستغرقها عملية تهيئة بعض المنتجات، والتي تصل في بعض الحالات لأكثر من أسبوع، عوامل دفعت بالجزائريين إلى الاقبال على المنتجات الآسيوية رغم نوعيتها الرديئة.

وفي كل محل لصناعة النحاس يوجد عدة عمال يتصدى كل واحد منهم لعمل محدد، من تهيئة النحاس، إلى تذويبه، ثم تشكيله، وبعد ذلك تجهيزه في قوالب محددة، وتستعمل في عملية التهيئة عدة وسائل أهمها "الكانون" وهي الآلة التي توضع فيها النار، والمطرقة، والشوكة، والظفرة المستعملة في النقش على ألواح النحاس.

ويتحدث "صنايعية النحاس" -وهو المصطلح الذي يطلق على ممتهني هذه الحرفة- عن تجاهل الحكومة لهم، فهم لا يتحصلون على أي دعم حكومي، كما أنهم محرومون من امتيازات ضريبية تمنح لقطاعات أخرى.

وتحدث نسيم (38 سنة) عن شروط يعدها مجحفة للحصول على بطاقة حرفي في هذه المهنة، تضمن له استقرارا وتأمينا، فالحصول على هذه البطاقة يتطلب تقديم وثيقة إيجار محل تجاري لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يتطلب دفع مبلغ كبير، وهو غير ممكن بالنظر إلى الواقع الاقتصادي لأغلب العاملين في حرفة النقش على النحاس.

ويرى نسيم أن المشاكل السابقة أدت بالشباب إلى العزوف عن تعلم هذه الحرفة، مما يجعلها مهددة بالزوال.

المصدر : الجزيرة