عبد الله الرفاعي-البصرة


ما بين جامع الأمير ودير للطائفة اليهودية في مدينة البصرة العراقية، يمتد سوق الحبال أحد الأسواق التي صمدت أكثر من قرن وبقي محتفظاً بتصميمه العمراني ودكاكينه الضيقة ذات السقوف المقوسة والمزخرفة بزخارف عثمانية.

وعلى الرغم من انكشاف أغلب أجزاء السوق، فإن جدرانه العريضة قاومت ما تعرض له السوق من نهب كما تعرضت أملاك اليهود في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، حيث يذكر الحاج ناصر عبد الغني أن أغلب دكاكين السوق تعود لليهود لكن لم يبق منهم أحد باستثناء امرأة يهودية توفيت قبل أعوام عدة.

الحبال تتدلى في أحد الأسواق التقليدية التي صمدت على مدى قرن من الزمان (الجزيرة)

ألوان وأنواع
وتتدلى الحبال في واجهات السوق بألوانها وأنواعها المختلفة في حين اختفت الحبال التي كانت تصنع من البردي، والمعروض في السوق -كما يقول التجار والرواد- هو حبال مستوردة ولا يوجد منتج محلي إلا ما ندر، ويوضح هؤلاء أن البضاعة المحلية اختفت منذ عام 2003 وصار التجار البصريون يستوردون أنواع الحبال من دول مختلفة.

ويأسف هؤلاء لاندثار سمعة البصرة التاريخية في صناعة الحبال التي طالما تميزت بها بحكم موقعها على الخليج العربي وانفتاحها على العالم، وينتقد بعضهم غياب الدعم الحكومي وعدم وجود آلات خاصة، وقالوا إن ذلك أدى إلى توقف صناعة الحبال المحلية والاستعاضة عنها بالمستورد.

ويقول تاجر الحبال عبد الرحمن عبد الخالق المرهون الذي ورث هذه المهنة عن أبيه "في السابق كان السوق يتضمن أشياء بسيطة وحبالا من مادة الخوص أو من مادة الليف إلا أن تطور الصناعة استبعد العمل اليدوي، الذي تدخل فيه المواد المستخلصة من الزراعة، وبهذا تحولت الحبال من زراعية إلى صناعية تبلغ نسبتها نحو 90% من المعروض".

  عبد الخالق ورث مهنة صناعة الحبال عن أبيه (الجزيرة)

زمان
ويضيف أن سوق الحبال في السابق لم يكن مقتصرا على الحبال فقط "إنما كانت تباع فيه أيضا بعض الصناعات الشعبية من خوص النخيل والبردي مثل الحصير و"اللاوندة" وهي أداة تستخدم خلال عملية الخبز، والطبق الذي يوضع فيه الخبز".

ويذكر أنه كانت هناك كثير من المعامل المنتجة للحبال في بغداد والبصرة إلا أن الوضع الخاص في العراق بعد الاحتلال أدى إلى توقف صناعتها، وأشار إلى أن شراء الحبال من قبل التاجر يتم عن طريق الوزن بالكيلوغرام أو الطن أما البيع فيتم عن طريق المتر الواحد.

ويقول بائع الحبال صادق عبد السادة جعفر إن تاريخ السوق يمتد منذ أوائل القرن الماضي "حيث كان قريبا من نهر العشار، الذي ترسو فيه الأبلام المسماة العشّاريات واتخذ اسمه من البضاعة التي تباع فيه وهي الحبال، رغم أن هناك مواد أخرى كانت تباع فيه"، وبيّن أن "هناك من يبيع شباك الصيد حيث كان يُهرّب من دولة الكويت قبل عام 2003، أما الحبال فقد كان بعضها يستورد من الهند".

وأشار إلى أن التجار يستوردون الحبال من سوريا وتركيا وإيران، "والحبال سابقا كانت حبالا من مسد أي أقوى مما هي عليه الآن، وليف النخيل الذي تصنع منه كان ينقّع في الماء ومن ثم يتم برمه ولفّه ليكون حبلا".

وعن مستوى البيع في السوق، قال جعفر إن دخول الشركات الأجنبية إلى البصرة خلال السنوات الماضية قد حرّك السوق بشكل كبير وانتعشت تجارة الحبال بعدما مرت بوقت كسدت فيه البضاعة.

المصدر : الجزيرة