قليل من الناس يعرف رياضة الزورخانة العراقية، ولكن نظرة عن قرب لهذه الرياضة ترى أنها تجمع بين الدين والأخلاق والقوة، فالممارس لها لا بد أن يكون نظيف الجسد والقلب، متواضعا ولا يكون مغترا بقوته.

أحمد الأنباري-بغداد

الزورخانة كلمة فارسية مركبة من كلمتين هما "زور" وتعني القوة، و"خانة" وتعني البيت، ومعناها بيت القوة، وهي عبارة عن فعاليات رياضية تقليدية تختتم عادة بالمصارعة الحرة.

دخلت هذه الرياضة العراق منتصف القرن الـ19، ثم انتقلت إلى جميع محافظاته في بدايات القرن العشرين لتصبح رياضة فلكلورية بمرور الوقت.

ويذكر مؤرخون أن "بيت الزورخانة" عبارة عن قاعة كبيرة يكون مدخلها عبر باب صغير وتكون بوسطها حفرة تسمى الجفرة، وهي مكان اللعب والتمرين وتكون بعمق ثلاثة أمتار وقطر ستة أمتار، تواجهها من جهة السقف فتحة مزججة أحيانا لدخول الضوء وتنتشر فتحات صغيرة تسمى "الروزاين" لتغير الهواء وتكون بالعادة مظلمة.

وأهم أدوات اللعب هي "السنك"، وهي عبارة عن قطعة من الخشب طولها 125 سنتيمترا وعرضها تسعون ووزنها خمسون كيلوغراما، بعرض بوصتين، يحملها اللاعبون للتمرين والاستعراض.

إضافة لخشبة "الشناو" بطول سبعين سنتيمترا وترتفع عن الأرض عشرة سنتيمترات لممارسة التمارين لمنطقة الصدر، و"الأميال" هي آلة خشبية أشبه بثمرة "الكمثرى" وهي ذات مقبض على قدر كف الذراع ولها أوزان مختلفة تصل لعشرات الكيلوغرامات يتم تطعيمها بالرصاص.

اللاعبون يحملون "الأميال" ويرمون بها كما في ألعاب الخفة (الجزيرة)

رياضة مقدسة
ويحمل اللاعب اثنين أو أكثر من الأميال ويبدأ برميها كما في ألعاب الخفة، و"الكبادة" هي آلة حديدية شبيهة بخشبة القوس تحيط بها سلسلة حديدية تحوي حلقات يلعب بها المصارع المحترف فقط بجعلها تدور حول رأسه بسرعة فائقة بحركات شبه دائرية خطرة.

الزورخانة تبدأ فعالياتها بصورتها التقليدية بقراءة المرشد القرآن الكريم، ثم يتبعها بدقات الطبل المنتظمة وينشد التواشيح الدينية والمقام العراقي، بعدها يهرول الكابتن (المدرب) هرولة خفيفة للإحماء ثم تبدأ حركات (الشناو) يليها رفع الأميال من قبل (اللاعيين) وتنتهي عادة بنوعين من النزالات: الأول يسمى "الحلواني"، وهو نزالات تجريبية والثاني نزالات "الخصماني" وهي تحديات بين أبطال في اللعبة.

يقول رئيس اتحاد الزورخانة حسين علي عبود إنه بعد عام 1951 تشكل اتحاد المصارعة العراقي فأصبحت رياضة الزورخانة جزءا لا يتجزأ من المصارعة العراقية، لكنها اكتسبت طابعا استعراضيا، وبقيت على حالها ضمن لجنة صغيرة في الاتحاد حتى عام 2013 حيث أعلن عن تشكيل اتحاد رسمي لها يعمل تحت مظلة اللجنة الأولمبية العراقية.

وأوضح أن هذه الرياضة ذات طابع ديني تربي الناس على الأخلاق الفاضلة من صبر وإيثار وسماع للمواعظ والأدعية والتواشيح، لكنها حرفت عن هدفها خلال السنوات الماضية لتصبح عبارة عن استعراضات تجارية أساءت لهذه الرياضة "المقدسة"، حسب تعبيره.

بدوره، أكد البطل العالمي السابق بالمصارعة كمال عبدو نائب رئيس الاتحاد أن الزورخانة بعثت من جديد كرياضة مستقلة تقوم على المنافسة لا الاستعراضات التجارية، فغايتها هي التربية والقوة قبل أي شيء آخر.

علي: هذه الرياضة ذات الطابع الديني تربي الناس على الأخلاق الفاضلة (الجزيرة نت)

الأخلاق والدين
وبين عبدو أن رياضة الزورخانة انتشرت بعد عام 2004 في دول العالم وأصبح لها قانون وأوزان إضافة إلى العرض التقليدي، وانضم العراق رسميا للاتحادين الآسيوي والعالمي بعد اعتراف اللجنة الأولمبية الدولية بها كلعبة تراثية لا بد من المحافظة عليها.

ولا يخفي كابتن منتخب الشباب تحت 19 عاما ياسر المنكوشي ولعه وشغفه بهذه اللعبة التي يقول إنه تعلق بها وهو صغير، واختص بالميل بازي "جرخ" إحدى الألعاب الأساسية فيها.

ويرى أن الزورخانة لعبة تزرع الأخلاق الدينية وتعزز التربية الصحيحة القائمة على احترام النفس والآخرين. وأوضح المنكوشي -الذي نال ميداليتين ذهبية وفضية في بطولة آسيا للشباب في طاجيكستان- أن هذه الرياضة تقوي الجسم بسبب التمارين القاسية التي يمارسها اللاعب، وتقوي النفس لأنها تعلم الانضباط وعدم الانفعال والدقة بأداء الحركات.

يذكر أن لرياضة الزورخانة تقاليد أخلاقية يجب أن يتبعها اللاعب، منها أن يكون نظيفا وذا أخلاق فاضلة ونبيلة وعلى وضوء، ويتمتع بروح التواضع، وألا يكون مغترا بقوته ويكون أمينا ومحبا لأهله. وتتوقف فعاليات هذه الرياضة خلال فصل الشتاء لتستأنف ثانية في فصل الربيع من كل عام.

المصدر : الجزيرة