علاء يوسف-بغداد

لم يخطر في بال أي مواطن عراقي أن يأتي اليوم الذي تقترب فيه سوق "الصفافير" -إحدى أهم المعالم التراثية للعاصمة بغداد- من الاندثار، حيث يرجع تاريخ السوق إلى عصر الدولة العباسية، وتتسع ذاكرة المكان لأحداث عاشها العراق منذ ألف عام.

وعندما كان البلد ينعم بالأمن كانت السوق مقصدا للسائحين الراغبين في اقتناء أو مشاهدة المصنوعات اليدوية، من أيقونات نحاسية لحضارة بابل وسامراء والمدرسة المستنصرية.

اكتسبت السوق اسمها "الصفافير" من "الصفرة" لون مادة النحاس المستخدمة في صناعة المشغولات اليدوية للعاملين فيه، أما موقعها فيتفرع من شارع الرشيد أقدم شوارع بغداد، ولا يفصلها عن نهر دجلة سوى المدرسة المستنصرية.

وتمتد السوق بطول خمسمائة متر تقريبا وبعرض يبدأ بأربعة أمتار حتى منتصفها ثم يتوسع تدريجيا حتى يصل إلى سبعة أمتار، وتنتهي بباب ارتفاعه ثلاثة أمتار وعرضه متران، وهو أصغر من باب الدخول الذي يبلغ عرضه مترين ونصف المتر بارتفاع خمسة أمتار تقريبا.

لكن حال السوق لا تختلف كثيرا عن حال البلاد هذه الأيام، حيث بدأت تتقلص وتصمت فيها تدريجيا أصوات ضربات الحرفيين على النحاس التي كانت أبرز معالمها، بعد أن نافس المستورد من الصين ما كانوا يبدعونه بأيديهم، مما أدى إلى انحسار الحرفيين والمحلات.

الشيخلي رفض أخذ قيمة مشغولاته من الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك (الجزيرة)

كان زمان
يقول توفيق الشيخلي (75 عاما) إنه كان يسمع منذ طفولته طرقات الحرفيين على النحاس الذي يصنعون منه مشغولاتهم في كل محلات السوق المتقابلة، حيث كان في كل محل أكثر من ثمانية صناّع يضربون النحاس ويصنعون "أجمل الأدوات المنزلية والتذكارية، التي تنفد في وقت قصير لإقبال السواح والمواطنين من كل العراق على شرائها".

ويضيف الشيخلي -الذي ورث محلات عديدة لصناعة النحاس- أن السياح الأجانب غابوا "نهائيا" عن السوق بعد 2003، كما ابتعد عشاق هذه المشغولات النحاسية من المواطنين بسبب سوء الأوضاع الأمنية الذي جعل تجار هذه المهنة وصناعها يتجهون إلى مجالات تجارية أخرى، "مما أثر على هوية السوق الأصلية وبدأت تأكل من سوق الصفافير تدريجيا".

ويتذكر الشيخيلي زيارة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك محله وشراءه هدايا صنعها بيديه عن حضارة العراق، قائلا إنه رفض أخذ ثمنها من الرئيس الفرنسي تقديرا لزيارته.

فاضل: غابت الرغبة في العمل لدى كثيرين (الجزيرة)

غياب "الرغابة"
ويرى التاجر سعد فاضل أن البضاعة الصينية "كان لها اليد الطولى في ابتعاد العراقيين عن شراء المصنوعات النحاسية لغلاء سعر الأعمال اليدوية رغم جماليتها، إلا أن رغبة الزبائن تتجه للأرخص".

وأوضح أن من يسمونهم في العراق بـ"الرغّابة" غابوا و"غابت معهم الرغبة في العمل لدى الكثيرين، مما جعلهم يبيعون محالهم لتجار القماش أو يستسلمون للبضاعة الجاهزة المستوردة".

وبحسرة لا تقل عن حسرة سابقيه، قال أبو عمر أحد رواد هذا المكان إن ما تبقى من حرفيي سوق الصفافير لا يتعدى عددهم أصابع اليد، بعد أن كانوا بالمئات، متوقعا اندثار هذه السوق.

أما البائع أحمد الصفار فقال، إن الحرفيين تقاعدوا ولم يورثوا هذه المهنة لمن يحافظ عليها، والسبب أنها لا تدرّ ربحا جيدا، مؤكدا أن البضاعة الصينية لا يمكن أن تلغي الفن الذي يرسمه الصفارون على النحاس.

ويتساءل أبو زينب -وهو حرفي- "لم نعمل ونتعب ولا يوجد بيع؟ وهل يعقل أن يمرّ أسبوع كامل بلا بيع أو شراء، ولا أعتقد أننا سنستمر والجميع يتجاهل هذه الصنعة ولا يدعمها".

المصدر : الجزيرة