شادي الأيوبي-فيينا

لا تزال شوارع العاصمة النمساوية فيينا تختزل ذكريات من الملاحم الحربية مع العثمانيين، ومنها قذيفة منجنيق عثمانية معلقة في واجهة مبنى سقطت عليه خلال حصار المدينة عام 1683.

وعلى زاوية أخرى تمثال فارس عثماني يقال إنه بلغ أقصى نقطة توغّل خلال الحصار، كما تصوِّر جدارية في شارع طابور وقائع الحصار العثماني الثاني وكتابات متصلة به.

كما يظهر تمثال لناقل البريد كوليشيتسكي الذي أسهم في تزويد النمساويين بخدمات استخبارية خلال الحصار الثاني، ثم أصبح أول صانعي القهوة في فيينا مستخدما ما خلّفه العثمانيون وراءهم من حبوبها.

ولم تكن القهوة وحدها ما دخل النمسا عن طريق العثمانيين، حيث اقتبست فطيرة التفاح النمساوية الشهيرة من البقلاوة التركية باستخدام أسلوب تحضير مشابه مع حشوها بالتفاح بدل المكسّرات.

أمّا خارج فيينا، فتحضر ذكريات الأتراك وقواتهم في بلدات نمساوية عدة، معززة بكثير من القصص الشعبية والأساطير والحكايات عن تلك المرحلة.

قذيفة المنجنيق المعلقة في أحد شوارع فيينا منذ حصار 1683 (الجزيرة)

وتضم بعض متاحف فيينا أقساما خاصة بالتاريخ العثماني، تظهر فيها لوحات تصوّر معارك الزمن الغابر وأخرى لشخصيات عثمانية أسهمت في الأحداث، علاوة على بعض ما غنمه النمساويون من الجيوش العثمانية.

جذور ومراحل
وترجع جذور اتصال النمسا بالشرق الإسلامي إلى أربعة مراحل: المرحلة الأولى كانت مع الحروب الصليبية، حيث شاركت جيوش النمسا في الهجوم على ساحل الشام، ويعود العَلم النمساوي الذي يشتمل على خطين أحمرين يقطعهما خط أبيض عرضاً إلى تلك الفترة.

وجاءت المرحلة الثانية مع الحملة العثمانية الأولى، حيث حاصر العثمانيون فيينا في سبتمبر/أيلول 1529 ولم يتمكنوا من فتحها بسبب الشتاء القاسي ونقص المؤن.

ويذكر الدكتور محمد حرب في كتابه "العثمانيون في التاريخ والحضارة" أن السلطان سليمان شنّ حملة تأديبية ضد آل هابسبورغ عام 1632 لكن الأخيرين لم يخرجوا لمواجهته.

ثم كانت المرحلة الثالثة مع الحملة العثمانية الثانية عام 1683 وانتهت بهزيمة العثمانيين، وبعد هذا التاريخ بدأ النفوذ العثماني بالتراجع عن شرق أوروبا.

حقائق وأرقام
ويوضح كتاب "النمسا.. حقائق وأرقام" الصادر عن دار الصحافة الفيدرالية في فيينا عام 1993 أن الانتصار على العثمانيين خلق شعوراً جديداً بالحياة، وتم تشييد المباني الرائعة كالقصور والكنائس والأديرة في الفترة المعروفة بعصر الباروك، الذي تميز في النمسا بالإقبال على مباهج الحياة إلى جانب التدين العميق.

وجاءت المرحلة الرابعة والأخيرة مع انتزاع النمسا البوسنة والهرسك من الدولة العثمانية بعد مؤتمر برلين عام 1878، حيث أخذت السلطات النمساوية آنذاك تلتفت إلى حاجات المسلمين، فأقامت مسجداً في فيينا، بعدها تبرع القيصر فرانس يوسف الأول بمبلغ 25 ألف غولدن لإنشاء مسجد، لكنّ انحلال الإمبراطورية النمساوية بعد الحرب العالمية الأولى أعاق تحقيق المشروع.

الخبير حسام شاكر أمام لوحة تظهر معركة عثمانية-نمساوية (الجزيرة)

تاريخ التواصل
ويؤكد الخبير في الشؤون الأوروبية حسام شاكر -في حديثه للجزيرة نت- أنّ "تاريخ التواصل بين الإمبراطورية النمساوية والسلطنة العثمانية لا يمكن اختزاله بمحطات الحصار والمواجهة، لكنّ بعض الحكايات والأغاني الشعبية النمساوية الموروثة ضخّمت الوعي بالصراع على حساب القيمة الثقافية في التبادل" بين الجانبين خاصة بعد إخفاق حصار فيينا الثاني سنة 1683، الذي أزاح الاتصال العسكري لصالح حالة جديدة من التفاعل.

وأوضح شاكر أنّ الاحتفاظ ببعض تذكارات الحصارين الأول والثاني وإبرازها في جنبات فيينا جاء من باب الحفاظ على ذاكرة المدينة، لكنّ الموروث الثقافي تشبّع ببعض القوالب النمطية عن المسلمين والأتراك.

ثقافات وتمازج
وكان الأكاديمي البوسني الراحل إسماعيل باليتش يرى أنّ السياسة الثقافية النمساوية في البوسنة والهرسك شجعت الثقافة العربية على حساب العثمانية.

ولم يكن هذا برأي باليتش -الذي كان مقيماً في النمسا- نابعا عن موقف سياسي نمساوي وحسب؛ بل نجم عن اعتقاد فيينا بأنّ ثقافة العثمانيين لا تتمتع بالأصالة، لكنها مقتبسة عن أمم أخرى.

من جهته، يربط شاكر هذا الاهتمام النمساوي بموجة الافتتان بالنمط المعماري والفني الأندلسي التي سادت في أوروبا بدءا من الثلث الأخير من القرن الـ19 وحتى العقود الأولى من القرن العشرين، وقد تمّ بموجب ذلك إنشاء معالم معمارية بارزة في سراييفو خلال الحكم النمساوي على الطراز الموريسكي الإحيائي، ومن أبرزها المكتبة الوطنية، وهو ما أتى على حساب الطراز العثماني.

المصدر : الجزيرة