يمتهن أفراد عائلة أبو إصيبع العراقية حفر القبور ودفن الموتى، ورغم أنه ليس بالغريب أن تعمل عائلة بكافة أفرادها في مهنة واحدة، لكن اللافت أن تتوارث المهنة فيعمل بها الشبان إلى جانب كبار السن.

عبد الله الرفاعي-النجف

سجاد فتى عراقي (12 عاما) ترك مقاعد الدراسة ورافق أباه كاظم أبو إصيبع لمساعدته في مهنته دفن الموتى بمقبرة وادي السلام بمحافظة النجف وسط العراق، وهو الأصغر بين أشقائه الأربعة.

كغيره من عشيرة أبو إصيبع، يملك كاظم وعائلته مكتبا يقع بالقرب من المقبرة الأكبر في أرض الرافدين يتولى دفن الموتى منذ مئات السنين.

مهنة مطلوبة
ما إن ينتهي سجاد من عمله حتى يتخذ مكانا منزويا بين القبور ليدخن سيجارته بعيدا عن أنظار الأب والأشقاء، فهو -كما يقول- ما زال صغيرا بنظرهم، ويجب ألا يقوم بعادات وتصرفات الكبار، لكنه لم يتردد بالتقاط صورة له يعرف إنها ستنشر.

ويقول للجزيرة نت إنه لا يختلف عن غيره من عشيرته بالقيام بعمل لا يجيده غيرهم منذ مئات السنين، مشيرا إلى أنه كان يرغب في مواصلة دراسته، لكن زيادة الطلب على خدماتهم في السنوات الأخيرة بسبب الحرب وأعمال العنف بالعراق، فرضت على أبيه أن يُسخِّر جهود أبنائه لمساعدته.

جانب من مقبرة وادي السلام بالنجف التي يدفن فيها عائلة أبو إصيبع الموتى (الجزيرة)

وحول ردود فعل أصدقائه على مهنته، يوضح أنه يعيش في عشيرة، يجمع بين أفرادها قاسم مشترك يتعلق بتوفير أرض القبر وحفره ثم بنائه ووضع الشاهد، الذي يتضمن اسم المتوفى وتاريخ الوفاة، ويشير إلى أن "كره المهنة لا يعني الاستغناء عنها، فهي مطلوبة في كل زمان ومكان".

وتوجد عشرات المكاتب بالقرب من المقبرة المجاورة لمكان غسل الموتى، يختص كل واحد منها بتقديم خدماته لمجموعة معينة من العشائر العراقية على مدار الساعة، تتلقى اتصالات هاتفية قبل أن يتوجه العاملون فيها إلى المكان المحدد في المقبرة، للمباشرة بالحفر.

إجبار الصغار
ويقول الوالد كاظم أبو إصيبع، للجزيرة نت، إن إنجاز الحفر يستغرق ساعتين يقوم به شخصان، وأحيانا، أكثر إذا كانت الأرض صخرية، وأثناء هذا الوقت تكون مراسم غسل المتوفى انتهت، وتوجه النعش إلى "مرقد الإمام" وسط المدينة لإقامة الصلاة على الميت، ثم التوجه لمكان القبر.

ويضيف أنه عادة ما يكون القبر بمدفن العائلة، وأغلب الأسر اعتادت على حجز موقع لها بمساحة متر مربع لكل شخص، لكي يضمن قبره بجوار والدته أو والده.

وأقر أبو إصيبع بأن صغار العائلة -وبطلب من الآباء- يُجبرون على مزاولة المهنة منذ سن مبكرة، ويتابع أن "الأمر طبيعي، فلكل عائلة في النجف مهنتها الخاصة، وُلدنا وشاهدنا آباءنا وأجدادنا يمارسون هذا العمل، ولا نجد أدنى حرج فيه، فإكرام الميت دفنه، ونحن من يقوم بذلك".

وبخصوص الاستعانة بجهود الأطفال، يوضح أنه قبل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية "لم نكن نسمح لأطفالنا بدخول المقبرة، وحين توجه أغلب شبابنا لأداء الخدمة العسكرية لم يجد كبار السن إلا الصغار لمساعدتهم في إدارة عملهم على مدار الساعة".

وخلص إلى أن الأحداث في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 فرضت عليهم الاستعانة بأطفالهم لدفن ضحايا الحرب والعنف المتواصل، كما قال.

المصدر : الجزيرة