العمارة العراقية بخصائصها الثقافية والجمالية بدأت تتلاشي في مدن الجنوب بالذات، بعد استلهام تصاميم هندسية جديدة تسيء للهوية وتعبر عن ذوق رديء وفق مختصين دعوا لاحترام تاريخ البلد وحضارته في مشاريع الإعمار والتشييد.

عبد الله الرفاعي-البصرة

وقف المهندس كفاح شريف أمام إحدى البنايات الجديدة في البصرة (450 كلم جنوب العاصمة العراقية بغداد) ينظر إلى نمط جديد من العمران شوّه وجه المدينة بشكل سريع.

ويقول شريف -وهو مختص بالهندسة المعمارية- إن أهم أسباب تلاشي فن العمارة أو غياب الاهتمام به على الأقل هو طغيان المد الريفي والتوسع الحضري بشكل غير مدروس، الأمر الذي جعل المشهد مرتبكاً للغاية.

ففي السنوات السابقة ساهم النمو الاقتصادي في جنوب العراق وارتفاع دخل الفرد؛ في عملية تعمير وتشييد أحياء سكنية جديدة، ولكنها بدت بعيدة عن العمارة والطراز العربي المعروف في المدينة. ويقول مختصون إن هذا الإعمار يكتسي طابعا غربيا أو هجينا، ويعد جزءا من محو الهوية المعمارية العراقية.

شريف: طغيان البعد التجاري وراء تلاشي خصاص الفن المعماري العربي (الجزيرة نت)

البعد التجاري
ويرى شريف -الذي افتتح مكتباً للتصميم المعماري بجنوب العراق- أن طغيان البعد التجاري في تشييد المباني يقف وراء تلاشي خصائص الفن المعماري العربي.

ويقول إن تصدي بعض المهندسين من اختصاصات أخرى للعمل في مجال البناء أثر سلبا على حضور خصائص العمارة العراقية.

ويضيف أن الكثير من المهندسين المدنيين أو اختصاصيي المساحة، يقومون بتصميم الأبنية الحكومية أو المنازل دون مراعاة الجوانب الثقافية والجمالية الخاصة بالبلد والسكان، ويضيف أن هذا الواقع أفقد المباني وظائفها الجمالية والتعبيرية.

ويرى الباحث في مجالات العمارة والتراث علي شبيب أن طغيان ظاهرة تغليف واجهات الأبنية الحكومية والأهلية بمادة "اليكوبون" النحاسية يعود إلى ذوق منحط أو متخلف.

ويقول إن هذا الذوق حوَّل المباني إلى علب صفيح خالية من أي دلالات تعبيرية يمكنها أن تؤدي دوراً جمالياً ضمن المشهد البصري بشكل عام.

ويضيف للجزيرة نت أن هذا يعود أيضاً إلى غياب الاهتمام الجاد من قبل المؤسسات الرسمية في المحافظات الجنوبية بفنِّ العمارة وأهميتها.

وأدت هذه العوامل إلى فقدان مدن الجنوب هويتها المعمارية وجعلها متنافرة لا رابط بين شوارعها وأبنيتها.

شبيب: المدن فقدت هويتها وتبدو متنافرة لا رابط بين شوارعها وأبنيتها (الجزيرة نت)

تشوّه العمارة
أما مدير مركز الجنوب للدراسات والتخطيط صلاح حسن فيعزو سبب تشوّه العمارة العراقية وتبدلها السريع إلى اختفاء الطبقة الوسطى التي "تعتبر الحامل للمشروع الثقافي والفكري".

ويقول إن تلاشي دور هذه الطبقة في الحياة انعكس على مختلف ميادين الحياة ومن بينها فنّ العمارة.

ويضيف أن تطور فن العمارة مؤشر على تقدم المجتمع، وكذلك العكس. ويقول إن طغيان خصائص الهندسة التجارية في العراق وفي مدن الجنوب بالذات يعود إلى أن بعض الطبقات الاجتماعية باتت تفرض ذوقها ونمط عيشها على المشهد العام.

ويشير إلى أن موجات عودة المهاجرين بعد 2003 ساهمت في شيوع نوع جديد من العمارة استلهمه المغتربون وقاموا بنقله دون مراعاة للخصوصية الثقافية والاجتماعية لبلدهم.

يقول المهندس غسان الخفاجي إن المشهد البصري والجمالي للمدن تغيرَ كثيراً عما كان عليه قبل 2003، وإن الكثير من البنايات القديمة أُزيلت وحلت محلها أخرى بفعل ما سماه التحسن الاقتصادي الذي شهدته البلاد.

ويلاحَظ أن أنماط البناء الجديدة لم تراع في الأغلب الهوية المعمارية العراقية وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية وحتى الدينية.

ويضيف أن هذه العمارة الجديدة تمتاز برداءة المواد المستخدمة فيها، خصوصاً في تصميم وتنفيذ واجهات المباني.

المصدر : الجزيرة