أحمد السباعي-بورتو أليغري

يسير الزائر وسط مدينة بورتو أليغري البرازيلية بين نغمات مختلف أنواع الفن اللاتيني، وكأنه في حديقة فنية يتنقل بين زهراتها ليختار ما يناسبه، ويقف عنده ليُطرب سمعه ويُغذي روحه.

لا يشعر المرء بالملل أو بالمسافة التي يمشيها، فأينما ينظر ير فرقا موسيقية وأفرادا يعزفون موسيقى لاتينية وبرازيلية وأرجنتينية، وأيضا لهواة التمثيل ومحبي الضحك وفن الرسم مساحة واسعة، في قلب هذه المدينة النابض فنيا واقتصاديا.

وبورتو أليغري واحدة من المدن الكبرى في البرازيل، وعاصمة ولاية ريو غراندي دو سول، وتعد من أهم المراكز الثقافية في جنوب البرازيل، وتضم عدة متاحف مهمة.

وتعد بورتو أليغري أيضا مقصدا لآلاف المهاجرين من البرتغال وإيطاليا وألمانيا وبولندا، وهذا الخليط من الحضارات جعل "الغاوتشوز" -كما يُعرف سكان ريو غراندي دو سول- يتقاسمون العديد من السمات الثقافية والموسيقى الفلكلورية مع جيرانهم في الأرجنتين وأوروغواي.

وتشتهر مدينة بورتو أليغري أيضا -مثل باقي المدن البرازيلية- بكرنفالها الذي يعود إلى القرن الثامن عشر ويستمر أربعة أيام.

الأغاني البرازيلية تصدح أمام المارة في أحد شوارع بورتو أليغري (الجزيرة)

الموسيقى الساحرة
وسط شارع "براكا مونتيفيديو" القريب من مبنى بلدية المدينة أو ما يعرف "بقصر الأزور" الذي يُعد إحدى أيقوناتها ووجهة سياحية لزائري المدينة، يقف روبرتو مرتديا زيا تقليديا، ويطلق العنان لموسيقاه القديمة الساحرة، يستخدم آلات كان يعزف عليها أجداده، لكنه ربطها بمحسنات صوتية متطورة.

ويرافق روبرتو، ديفد الذي يعرض على الناس أقراصا مدمجة لهذه الموسيقى وسلعا أخرى تقليدية، ويقول إنهما يحاولان إسعاد الناس في الساحة وكسب الرزق لتربية أولادهما، لأنهما لا يعرفان سوى هذه المهنة التي ورثاها عن أجدادهما.

وغير بعيد عن روبرتو، يقف دانييل -وهو شاب يحمل غيتاره- لينشد الأغاني البرازيلية بصوت شجي وعذب، ويتفاعل معه معظم المارة، ودانييل طالب جامعي يدرس الموسيقى ويأتي يوميا لهذه الساحة كي يغني ويعزف، ويقول إنه يؤدي القديم والجديد كي يجذب الكبير والصغير ليتحلقوا حوله، ويضعوا نقودا في "صندوقه الأسود ليشجعوه ويساعدوه على إكمال دراسته".

ومن بلاد التانغو (الجارة الأرجنتينية) جاء روميرو إلى البرازيل بحثا عن فرصة عمل أفضل من بلاده، ويقول إنه يغني ويعزف منذ سنوات، وقد حاول جاهدا البحث عن عمل ليغني في المطاعم والنوادي الليلية لكن دون جدوى، فقرر اللجوء إلى "ساحة الفنانين" بوسط المدينة.

ويضيف روميرو "هنا لا حاجة لمقابلة صاحب المؤسسة لقبولك في العمل، ولا أحد يطلب منك شهادة خبرة، تكون مع الناس مباشرة، ردود فعلهم صادقة، إذا أعجبهم عزفك يُعطونك نقودا، وإن لم يرق لهم فإنهم يتابعون المسير".

فنان شعبي كوميدي يقدم مشاهد تمثيلية فكاهية وسط بورتو أليغري (الجزيرة)

رسم وتمثيل
ويختم بأن موسيقى السامبا والتانغو والموسيقى اللاتينية عموما ترجع لموروث ثقافي واجتماعي واحد، ولهذا فإن الشعوب اللاتينية باختلاف مشاربها تتذوق هذه الأنواع من الفنون.

الموسيقى والغناء ليسا الوحيدين في "الحديقة الفنية" ببورتو أليغري، حيث تتصاعد في إحدى زوايا الساحة أصوات ضحكات عالية من تجمهر لعشرات الأشخاص، ونقترب أكثر منها لنرى فنانا شعبيا كوميديا يقدم مشاهد تمثيلية فكاهية، واللافت أن الصغار يتفاعلون معه أكثر من الكبار، والجميع يضحكون ويصفقون.

وبعد انتهاء كل مشهد، يحمل هذا الفنان الشعبي قبعته طلبا للنقود، والجميع يدفع له لأنه "فنان الشارع، يسعد الكثير من الناس مقابل القليل من النقود"، كما يقول أحد الجمهور.

وبعيدا عن الغناء والتمثيل وصخبهما، هناك منطقة في الساحة هادئة يلفها السكون، وترى فنانا يرسم لوحاته بصمت، ويحول أي صورة فوتوغرافية إلى تحفة فنية.

ويقول فرناندو، إنه رسم آلاف اللوحات لفقراء وأغنياء برازيليين وأجانب، ورغم أنه لا يحصل على الكثير من المال، فإنه يفرح عند كل رد فعل على لوحة يرسمها "هذا أنا، من في الصورة، فهناك من تعجبهم اللوحة، وآخرون يرونها قبيحة".

المصدر : الجزيرة