يستغل الكثير من الجزائرين ما تنعم به بلادهم من ينابيع مياه طبيعية ومناطق ذات طبيعة خلابة في فصل الصيف اللاهب في بعض الولايات. طلبا للترويح وجلب المياه الباردة، وتعويضا عن نقص المرافق الترفيهية في المدن.

ياسين بودهان-الجزائر

مع حرارة الصيف اللافحة التي يشهدها العديد من الولايات الجزائرية تزامنا مع شهر الصيام، يتقاطر الجزائريون على مناطق الينابيع المائية في مختلف الولايات، إما هروبا من حرارة الشمس، أو لجلب وشرب المياه الطبيعية، وإما بهدف السباحة والاستجمام.

ويعد شمال ولاية سطيف (400 كلم شرق العاصمة الجزائر) إحدى أهم المناطق التي تزخر بالينابيع المائية، ويطلق عليها اسم "منطقة القبائل الصغرى" لأن غالبية سكانها من الأمازيغ، وهي منطقة جبلية معروفة بمناظرها الطبيعية الخلابة.

وفي هذه المناطق العديد من المواقع التي تشكل لوحات فنية طبيعية، على غرار منطقة آيت تيزي، تالة إيفاسن، بوسلام، بوعنداس، واد ويران، بني ورثيلان، وحمام قرقور المشهورة بالينابيع المائية الحارة والتي باتت بمثابة قبلة للسياحة العلاجية بالجزائر، كون مياهها مصنفة الثالثة عالميا حسب تقرير صدر سنة 1938 عن مهندس المناجم الفرنسي "بازيلياك" بناء على قياسات جديدة للنشاط الإشعاعي الخاص بالمياه الحارة.

وبالقرب من هذه المناطق توجد ولاية بجاية وهي جزء من "منطقة القبائل الكبرى" التي تضم ولايات أخرى على غرار تيزي وزو أغلبية سكانها من الأمازيغ، وتستقطب عددا كبيرا من السياح من داخل وخارج البلاد خلال فصل الصيف، لامتلاكها شريطا ساحليا كبيرا يعد الأجمل على مستوى الجزائر.

طوابير من السيارات أمام الينابيع المائية في رمضان بالجزائر (الجزيرة)

لرمضان خصوصيته
لكن بسبب تزامن فصل الاصطياف مع شهر رمضان يتجنب أغلب السياح والمواطنين التوجه للبحر اعتقادا منهم أن السباحة في البحر تبطل صيامهم، أو على الأقل يبتعدون عن ذلك دفعا للشبهات، ويفضل هؤلاء التوجه إلى منابع مائية بمنطقة سوق الاثنين من أجل السباحة والاستجمام، أشهرها منطقة يطلق عليها اسم "الشلال"، وهي منطقة تضم سلسلة جبال وغابات بها واد ينحدر منه شلال كبير.

وتتباين أسباب إقبال الجزائريين خلال شهر رمضان على هذه الينابيع المائية، بين باحث عن مياه طبيعية يجلبها معه للبيت بهدف الشرب لعدم ربط منزله بشبكة المياه الصالحة للشرب، ولأن هذه المياه تحافظ على برودتها الطبيعية لمدة طويلة، وبين باحث عن تمضية الوقت، خاصة وأن نسبة الإقبال تبلغ الذروة قبل ساعتين من موعد الإفطار، ومن هدفه السباحة رغم أن بعض المنابع والآبار تشكل تهديدا صحيا للمواطنين لعدم توفر الشروط الصحية للسباحة.

وخلال جولة ميدانية قادت الجزيرة نت إلى منطقة دراوات التابعة لبلدية تالة ايفاسن في ولاية سطيف وقفنا على حجم إقبال المواطنين على هذه المنابع، هناك وجدنا طابورا طويلا للسيارات أمام المنبع المائي، كما استغل بعض تجار الخضر والفواكه المناسبة لعرض سلعهم التي تجد إقبالا منقطع النظير بسبب التخفيضات الكبيرة في الأسعار.

وغير بعيد عن المنبع المائي الرئيسي الذي وجدنا أمامه طابورا من المواطنين وبأيدهم الدلاء من أجل ملئها، وجدنا ينابيع أخرى بجانبها حفر وآبار كبيرة ممتلئة بالماء صنعها الفلاحون الذين يمتلكون حقولا بالمنطقة لسقي مزروعاتهم، هذه الحفر والآبار تحولت إلى مقصد للشباب من أجل السباحة رغم عدم توفر الشروط الصحية لذلك.

الجزائريون يقصدون ينابيع المياه الطبيعية رغم مخاطرها الصحية (الجزيرة)

الصحة والرياضة
وفي السياق يشير الدكتور خالد مرواني -وهو طبيب عام-للجزيرة نت إلى أن شرب مياه الينابيع المائية غير المراقبة وغير الآمنة يشكل تهديدا صحيا خطيرا للأشخاص، بسبب إمكانية تعرضهم للأمراض المتنقلة عن طريق المياه، مثل التسمم الغذائي والتهاب الكبد الفيروس، وحمى التيفوئيد، وهي أمراض يقول عنها مرواني البعض منها لا يظهر إلا بعد مرور وقت طويل، كما أن العديد من الينابيع يقول الدكتور تنبعث منها روائح كريهة.

لكن هذا العامل لا يقلق هؤلاء الشباب, وحسب حديث إسماعيل للجزيرة نت فإنه لا بديل لهم عن هذه الينابيع والآبار لمواجهة حرارة الشمس اللافحة، ثم أن الشباب كل عام يتوافدون على هذه الآبار ولم تسجل حالة مرض واحدة، يقول إسماعيل الذي أكد أن غياب منشآت رياضية وثقافية موجهة للشباب بهذه المناطق لاستغلال الوقت هي إحدى أهم أسباب إقبالهم على هذه الينابيع والآبار رغم مخاطرها.

يأتي هذا في الوقت الذي اتخذ فيه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة خلال اجتماع مجلس الوزراء في 25 مايو/أيار 2010 جملة من القرارات لصالح قطاع الشباب والرياضة، من خلال رصد مبلغ 1130 مليار دينار جزائري (حوالي 14 مليار دولار) من أجل إنجاز ثمانين ملعبا لكرة القدم، و160 قاعدة متعددة الرياضات، و750 مركبا للرياضة الجوارية (الأنشطة الرياضية بالأحياء)، ونحو 400 مسبح على مستوى مختلف الولايات الجزائرية، لكن هذه المناطق حسب إسماعيل لم تستفد إطلاقا من هذه المنشآت التي تتحدث عنها الحكومة.

المصدر : الجزيرة