أسامة أبو الرُّب-سول

لا يمكنك إلا أن تلاحظ وأنت تسير في شوارع مدينة سول أن الكوريين الجنوبيين يتميزون بالنحالة، فنادرا ما وقعت أعيننا على رجل أو امرأة سمينين، وهو أمر يعزوه البعض إلى طبيعة المطبخ الكوري المرتكز على الخضار والأرز وثمار البحر.

ومن أبرز هذه الخضار الملفوف، أما أحد أهم الأطباق الوطنية لديهم فهو "كيميشي"، وهو طبق يحضر من الملفوف المخلل مع الزنجبيل والثوم، ويأتي في عدة أشكال، منه الحار الذي يكون أحمر اللون، والعادي الذي يأتي بلون الملفوف الأبيض.

ويمتاز المطبخ الكوري باعتماده بشكل كبير على الأطعمة المخمّرة (المخللة)، وهو أمر يعود إلى ما قبل 40 عاما عندما لم يكن متاحا للكوريين تناول الخضار في كافة فصول السنة، فكانوا يخللون منها في الصيف ما يكفيهم مؤونة الشتاء.

أزهار من الأرز "الحريف" (الجزيرة)

لا للنعال
وعندما دخلنا أحد المطاعم طلبت منا المضيفة خلع أحذيتنا عند الباب، ففعلنا ما طلب منا ومشينا بأقدامنا الحافية على الأرضية الخشبية الناعمة التي شعرنا أنها تدغدغ أقدامنا مرحبة بضيوفها، قبل أن نصعد إلى الطابق العلوي ونجلس منتظرين الطعام.

وكان الطبق الأول الأرز مع القرع، قوامه سميك مثل المهلبية ولكنه لذيذ الطعم وخفيف، ثم أحضر لنا مضيفونا مجموعة من السلطات تعتمد على الملفوف وتمتاز بحلاوة طعمها، وهو أمر ليس ناجما عن إضافة السكر، بل سببه وجود أنواع مختلفة من الفواكه مع السلطة.

بعد قليل جاءتنا أزهار من الأرز الذي وضع في أوراق خضراء بعناية، وعندما تذوقناه اكتشفنا أنه "حريف"، وكذلك كان الأمر مع سلطة مكونة من قناديل البحر المقطعة. وحتى نطفئ حرارة الأرز رشفنا بعض شوربة خضار محضرة مع مكعبات "التوفو"، وهو حليب صويا تم تخثيره. فالصويا ومنتجاتها مشهورة في كوريا وأيضا في شرق آسيا.  

ثم جاءنا الطبق الرئيسي، وهو الطبق الوطني في كوريا الجنوبية واسمه "غالبي"، ويصنع من لحم مسلوق مع الخضار، وكان شهي الطعم وهو يذوب في أفواهنا كقطع من الزبد.

حساء "التوفو" شوربة خضار محضرة مع مكعبات من حليب صويا المخثر (الجزيرة)

بهارات أقل
ولاحظنا أنه رغم طعم طبق "غالبي" الشهي فإنه لم يكن باهرا للغاية، وهو أمر قيل لنا إنه يدل على أن الطعام محضر بعناية، فالطعام الجيد لا يحتاج للكثير من البهارات، والطباخ الغشاش هو من يغرق طعامه بالملح حتى يخفي رداءة ما يطبخ، وهذا ليس هو الحال في المطبخ الكوري.

ثم أحضر لنا الأرز، الذي كان ملفوفا بعناية وموضوعا في خشب البامبو الذي يطبخ فيه، فوضعنا عليه بعض حساء "التوفو"، وكان واضحا هنا أيضا أن الأرز لم يكن مضافا إليه الملح، وهي خاصية أخرى للمطبخ الكوري تجعله صحيا وربما تكون هي سر نحالة الكوريين.

وكان الطبق الأخير حساء من الأرز المخمر الحلو المذاق قيل لنا إنه يساعد على الهضم، ولذلك يقدم في آخر الوجبة، ولكننا لم نرشف منه سوى رشفتين، إذ بدا غريبا بعض الشيء هذا الاجتماع بين حلاوة الأرز وتخليله.

غادرنا المطعم الذي ودعَنا فيه مضيفونا كما استقبلونا بابتسامة كبيرة، ومع أننا تناولنا العديد من الأطباق فإننا لم نشعر بالتخمة، إذ كانت الكميات المقدمة صغيرة الحجم، ولكنها مرتبة بعناية تجعلنا نشبع بالنظر قبل الأكل، مما يعني بالتأكيد صحة أفضل.

المصدر : الجزيرة