أكثر من ثلاثمائة طفل تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات يحصلون على التعليم ما قبل المرحلة الابتدائية بفضل "روضة متحركة في حافلة"، وأعدت بلدية ماماك بالعاصمة أنقرة هذا المشروع بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

 

 

وسيمة بن صالح-أنقرة

بينما كانت المشرفة تصبغ وجه "يشار" الطفولي بالألوان، كانت عيناه تشع غبطة وهو يتحدث ببراءة للجزيرة نت عن مشاعره نحو روضته الجديدة ''أحب هذه الحافلة أكثر من بيتي، لأنني أقوم بالتلوين والرسم واللعب''.

"يشار" ذو الخمس سنوات، أحد الأطفال القاطنين في الأحياء الفقيرة بمنطقة ماماك بالعاصمة أنقرة، والذين وفرت لهم بلدية المنطقة تجربة تعليمية متحركة ومسلية، تجعلهم متساويين مع أقرانهم من أبناء الأسر الميسورة في حصولهم على التعليم، ومختلفين لأنهم يدرسون في ''روضة متحركة'' كما يحبون أن يصفوها.

المشروع الذي أعدته البلدية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، لقي خلال عامه الأول دعم الاتحاد، ليصبح في عامه الثاني مشروعا تركيا مستقلا قائما بذاته تدعمه الدولة وتبرعات المواطنين الأتراك، ويحصل من خلاله ثلاثمائة طفل تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات على التعليم ما قبل المرحلة الابتدائية.

 يشار قال إنه يحب الحافلة أكثر من بيته (الجزيرة)

تعليم متنقل
وتحولت إحدى الحافلات التابعة لبلدية ماماك إلى روضة أطفال، تتوفر فيها كل المرافق الخاصة بباقي الروضات، وكل الأدوات اللازمة من قصص ودفاتر تلوين وألعاب.

يبدأ دوامها الرسمي في الثامنة والنصف صباحا حتى السادسة مساء، تتنقل بين أحياء ثماني مناطق فقيرة بمنطقة ماماك.

وتم اختيار نقطة تحط الحافلة فيها رحالها في كل منطقة، يسلم الأهالي أطفالهم إلى المسؤولين ويعودون لاصطحابهم للبيت بعد انتهاء الدوام. وتقوم معلمات متخصصات بتعليم هذه الفئة العمرية من الأطفال بتدريس فريقين من الأطفال يوميا في كل منطقة، الذين يتم تقسيمهم بين دوام صباحي وبعد الظهر، ويضم كادر التدريس معلمات حاصلات على شهادة خاصة ومتدربات.

وتؤكد داريا ساري أوغلو -إحدى المشرفات على تعليم الأطفال داخل الروضة المتحركة- أن التجربة رغم اختلافها فإن الأطفال الذين تلقوا التعليم عن طريقها أثبتوا قدرتهم على الاندماج سريعا في المدارس الابتدائية مع أقرانهم الذين تلقوا التعليم نفسه في روضات عادية.

أوغلو: نواجه صعوبات في إرسال الأطفال لمنازلهم لرغبتهم في البقاء (الجزيرة)

مطالبات بالمزيد
ونوهت في حديثها للجزيرة نت إلى أن الدراسة داخل الحافلة جعلت الأطفال مقبلين أكثر على التعليم والمشاركة في الأنشطة، وتحدثت عن تعلق الأطفال بالروضة حتى ''أننا نواجه صعوبات في إرسالهم لمنازلهم، لأن معظمهم يرغب في البقاء''.

وكشفت أن الأهالي لاحظوا تحسن سلوك وقدرات أطفالهم الذهنية والجسدية ومهارات التواصل الاجتماعية لديهم، خاصة ذوي الطفل الوحيد.

وخلصت إلى أن الأهالي ''يطالبون بزيادة ساعات التعليم لتصبح يوما كاملا أو يومين بدل نصف يوم''، واللافت أن خدمات الحافلة تتجاوز تعليم الأطفال، لتقدم خدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي للأطفال وعائلاتهم.

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد رئيس بلدية ماماك مسعود أكغول أهمية المشروع الذي يسهم بشكل كبير في ''إعداد جيل صحي ومتعلم''. وأشار إلى أن هناك مناطق تابعة لبلديته تعاني من نقص روضات الأطفال والبنى التحتية الخاصة بتوفير هذا النوع من التعليم، ولهذا قررت البلدية تنفيذ هذا المشروع لعدم حرمان أطفال تلك المناطق من التعليم.

وتابع أنهم يكتفون بهذه الحافلة، للوصول إلى مناطق أخرى محرومة من الروضات، لكي يكون هناك توازن وعمل منظم لتعزيز هذا النوع من التعليم. وأكد أن هذه الخطوة لاقت صدى طيبا واستحسانا من قبل الأهالي والمواطنين، وتقدم البلدية إضافة لخدمة التعليم، الرعاية الصحية والخدمات الطبية للأطفال وأهاليهم.

ظروف صعبة
وحسب دراسة قامت بها البلدية، فإن الأسر القاطنة في تلك المناطق تعاني إلى جانب الظروف المادية الصعبة، قلة المستوى التعليمي، ما يجعلهم لا يعرفون أهمية حصول أبنائهم على التعليم ما قبل المرحلة الابتدائية.

ولهذا قام المسؤولون عن المشروع بتقديم ندوات خاصة للأهالي لرفع مستوى الوعي لديهم بهذه القضية وحثهم على إرسال أطفالهم -خاصة الإناث منهم- للتعلم داخل الحافلة.

ويهدف القائمون على المشروع إلى تعزيز ونشر أهمية هذا النوع من التعليم ليس فقط في المناطق الفقيرة التابعة لبلدية ماماك، بل في كل أنقرة وخارجها مستقبلا.

وتفيد الإحصاءات بأن نسبة الأطفال الذين يحصلون على التعليم ما قبل المدرسة في أنقرة هي 33 %، بينما تصل هذه النسبة في دول الاتحاد الأوروبي إلى 85%.

المصدر : الجزيرة