طغت الأحياء الحديثة على روعة الأحياء التاريخية في مدينة أبي جعفر المنصور، بعدما ارتفعت نسبة الهجرة من مدن العراق إلى عاصمته، وزاد معها التوتر السياسي الذي أفقد بغداد جمالها.

بغداد الحديثة أهملت أحياءها التاريخية التي بناها أبو جعفر المنصور (الجزيرة نت)
 
فاضل مشعل-بغداد
 
عندما تزوج الحاج هوبي بائع السمك المقلي في حي المربعة وسط بغداد في خمسينيات القرن الماضي، كان يجد صعوبة في الحصول على تذكرة، حين يصطحب زوجته الشابة وقتذاك إلى إحدى دور السينما في شارع الرشيد، فزحام العوائل كان شديدا خاصة في موعد السهرة.

من بقايا سينما قديمة في شارع السعدون(الجزيرة نت)
يقول الحاج هوبي الذي تخلى عن مهنته منذ نحو عقدين "لم أسمع أن مدينة في العالم تغيرت مثلما حصل لبغداد، فقد ضاع ملمسها الرقيق بعد أن فقدت كل مقومات تحضرها، من مسارح ودور سينما ومتاجر فاخرة ومعارض ومقاهٍ كانت ملتقى نخب المدينة من مختلف الضروب".

أضاف الحاج الذي تجاوز الثمانين من العمر "في بغداد طراز مبانٍ خاص ولهجة متميزة ومهن وهوايات وفنون تختص بها عن مدن العراق، مثلما تختص البصرة والموصل ومدن الشمال والجنوب بفنونها ولهجاتها. وأسباب ضياع خصائصها هو تعدد اللهجات والتقاليد الوافدة من مختلف بيئات العراق، خاصة بعد اتساع موجات الهجرة إلى العاصمة".

بين الرصافة والكرخ
ويفسر المفتش في أمانة بغداد علي ساجت الشمري ما ذهب إليه الحاج هوبي قائلا للجزيرة نت "قبل أربعة أو خمسة عقود كانت بغداد محصورة ببضعة كيلومترات وبأحيائها القديمة مثل الكاظمية والأعظمية شمالا والكرادة جنوبا، وأحياء الكرخ مثل الكريمات والرحمانية والجعيفر وسوق حماده والدوريين والشواكة، وأحياء الرصافة مثل الفضل وباب الشيخ والصدرية وفضوة عرب والمربعة والحيدرخانة والتوراة وقنبر علي".

يمضي الشمري قائلا "حاليا تتكون بغداد التي بناها أبو جعفر المنصور قبل 1400 عام من نحو 900 محلة، وتمتد لأكثر من 80 كلم طولا وأكثر من 90 كلم عرضا من البناء، وهذا التوسع نقل آلاف السكان إلى أحياء جديدة اتسعت شرقا وغربا، وأسست معها حواضر تختلف عن حواضر الأحياء القديمة، وهكذا فقدت أحياء بغداد القديمة خصائصها وأصبحت أحياء مهملة".

هكذا صارت سينما النصر التي سحرت البغداديين بأروع الأفلام (الجزيرة نت)

كأنها صيغت في قالب
أما عبد الرزاق خليل أحد سكان حي سوق حماده في الكرخ فيقول "أحياؤنا القديمة هذه أهملت تماما، والأسباب كثيرة منها انشطار العوائل وتقاسمها للدور الصغيرة التي تتكون منها محلات بغداد القديمة، ومنها طفح المجاري وتحول العديد منها إلى أسواق.. كل هذه الأسباب جعلت محلاتنا مناطق مزعجة لا تصلح للسكن بعد أن فقدت كل مقوماتها".

ويردد أستاذ مادة التاريخ في جامعة بغداد سلمان الحسون ما قاله الجاحظ وهو يصف بغداد "رأيت المدن العظام بالشام والروم وغيرهما فلم أر مدينة قط أرفع سمكا ولا أجود استدارة ولا أوسع أبوابا ولا أنبل نبلا ولا أجود فصولا من الزوراء، وهي مدينة أبي جعفر المنصور، كأنما صيغت في قالب، وكأنما أفرغت إفراغا".

ويضيف الحسون "هذا ما قاله الجاحظ قبل نحو 1400 عام عن بغداد، غير أن مؤشر ميرسر الدولي الذي يراقب تقدم مدن العالم وتطورها اعتبر بغداد من أسوأ المدن ضمن قائمة ضمت 221 مدينة، وذلك بسبب الاضطراب السياسي، وضعف تطبيق القانون والهجمات التي تستهدف السكان المحليين والأجانب".

المصدر : الجزيرة