خليل مبروك-بورصة-تركيا

يُدهِش طابور المصطفين أمام محل صغير بمدينة بورصة التركية الناظر حين يعلم أنهم ينتظرون الدور لتناول وجبة الغداء من "الشاورما". لكن الدهشة تزول حين يدرك أن هذا المحل هو نفس المكان الذي انطلقت منه حكاية "إسكندر كباب" في القرن الـ19.

ويصعب على من يتابع شهرة العلامة التجارية لهذه الوجبة أن يقتنع أنها بدأت من هذا المطعم الذي لا تزيد مساحته على ستين مترا مربعا ولا يتسع لأكثر من ثلاثين زبونا، لتصبح بعد ذلك وصفة يتبارى أصحاب المطاعم التركية في تقليدها.

ويعرف "الإسكندر كباب" على نطاق واسع وجبة أساسية تقدمها المطاعم التركية لزبائنها في جميع المحافظات، لكن مذاقه يصبح حكاية أخرى حين يرتبط ببورصة، المدينة التي ظهر فيها أول "سيخ شاورما" عام 1850 على يد محمد إسكندر أفندي.

طهاة في أحد محلات إسكندر كباب (الجزيرة)

سر الصنعة
ووفقا لأحد أحفاد محمد إسكندر، فإن جده كان يعتقد أن لكل جزء من لحم الضأن مذاقا يختلف عن مذاق الأجزاء الأخرى، ما جعله يفكر في الحصول على طعم تنصهر فيه كل النكهات، فعمد إلى شواء سيخ لحم الشاورما عموديا بعدما جرد اللحم من العظام.

وقال ياووز إسكندر أوغلو للجزيرة نت إن اللحم المشوي على سيخ عمودي أطرى وأشهى لأنه يحافظ على محتويات اللحم من العصارات والدهون، بينما يفقدها انسيابيا حين يحضر أفقيا فتضيع معها كثير من النكهات.

حوّل إسكندر أفندي طريقته في شواء اللحم إلى وجهتها التجارية عام 1867 حين قدم طبقه الخاص المكون من رقائق الشاورما فوق الخبز المشّبع بمرق الطماطم والزبدة المذابة، وسمي باسمه "إسكندر كباب".

وورث جواد المهنة عن أبيه محمد إسكندر، فجدد محل بيع الشاورما عام 1933، وأضاف اللبن الطازج بكمية كبيرة إلى الوصفة ليجعله أكثر رطوبة وطراوة، كما أضاف إليها الفلفل المشوي.

أما الجيل الثالث من أبناء العائلة وخاصة أبناء جواد إسكندر، فقد وسعوا شهرة الماركة المسجلة باسم جدهم فافتتحوا فروعا عصرية تقدم الـ"إسكندر كباب" بصورته التقليدية المعروفة وكوجبات سريعة عصرية وشطائر في ذات الوقت.
 
حصل أحفاد محمد إسكندر على براءة اختراع لهذه الوجبة بعد حرب قانونية استمرت عشرين عاماً في تسعينيات القرن الماضي، وهم يحاسبون قانونيا المطاعم التي تقدم هذه الوجبة باسم "إسكندر كباب" على اعتبار أنها اختراع أجدادهم.

طابور ينتظر تناول طعامه بالمحل الأصلي إسكندر كباب في بورصة (الجزيرة)

ملاحقة قضائية
ويشير ياووز إلى أن الملاحقات القضائية تمكنت من إغلاق نحو 250 محلا ينتحل صفة العلامة الخاصة بالعائلة التي باتت تشعر أن استمرار الملاحقة لم يعد ينفع مع كثرة المقلدين.

لكن أصحاب المطاعم الأخرى لا يعدمون الحيلة في تسويق الشاورما التي يصنعونها باسم إسكندر كباب بأسماء قريبة تضلل الباحث عن المذاق الأصلي بعلامته المميزة.

ويبحث عشاق طعم الشاورما عن نكهة إسكندر كباب رغم أن سعر الوجبة الواحدة يبلغ 22 ليرة تركية (عشرة دولارات) أي أكثر من خمسة أضعاف وجبة الشاورما العادية المعروفة في تركيا باسم "دونر كباب".

ويحرص الشاب التركي معاذ أصلان على تناول "إسكندر كباب" كلما زار مدينة بورصة، مؤكدا أن مذاقها بالمكان الأصلي مختلف عنه بالمواقع الأخرى التي تقدم الوجبة بمكونات قريبة ونكهات تقلد الطعم الأصلي لكنها لا تضاهيه.

أما أمير ياسين (أحد الطهاة بالمطعم) فيقول إنه يفخر بعمله في هذا المطعم دون غيره، مضيفا أن محترفي هذه المهنة يغبطونه على ذلك "فليس بوسع الكثيرين منهم أن يعملوا في ذات المكان الذي ظهرت منه الشاورما لأول مرةٍ قبل أن تنتقل إلى العالم".

المصدر : الجزيرة