بجانب موقدها التقليدي الصغير وأدوات المطبخ، تستحضر "إيناس" كل ما تعلمته عن أمها من فنون الطبخ. تعد الفتاة الصغيرة بأناة أكلة "الزُغديدة" التي يطبخها الأطفال في مثل سنها بمناسبة عيد الأضحى، في عادة قديمة أصبحت منسية.

وتبدأ الاستعدادات لمناسبة عيد الأضحى في تونس قبل أسبوع من موعده، إذ يتم اقتناء كل المستلزمات من "المشوى" و"الكانون" والسكاكين الخاصة بالذبيحة وتقطيع اللحم وأواني الغسيل، فضلا عن شراء التوابل وغيرها، إضافة إلى البخور الذي لا يهجر أي مناسبة تونسية.

ولا تنسى الأمهات في هذه المناسبة فتيات البيت لا سيما الصغيرات منهن (من خمس سنوات فما فوق)، فقد جرت العادة أن ترغّب الأم التونسية -وخاصة تلك التي تعيش داخل أسوار المدينة العتيقة وفي أغلب محافظات البلاد- ابنتها في الأعمال المنزلية بما فيها الطبخ.

وتسمى الأكلة التي تعدها الفتيات الصغيرات في عيد الأضحى "الزغديدة"، ومكوناتها الأساسية لحم وخضر مثل البصل والطماطم والفلفل، لكنها مع تطور الزمن وتقدم العصر بدأت بالتلاشي والاندثار شيئا فشيئا، وعلى الرغم من ذلك لا تزال بعض العائلات تحافظ عليها.

تنتظر إيناس ملاحظات إيجابية ومشجعة من كل من يتذوق "زغديدتها" (الأناضول)

عادة الأجداد
واعتادت الأمهات منذ القديم شراء أوان نحاسية أو فخارية صغيرة الحجم لبناتهن الصغيرات مثل "الطنجرة" و"المقفول" و"الكانون" و"المشوى" و"الصحن"، حتى تعددن الطعام بأنفسهن في ذلك القدر الصغير بهدف تهيئتهن وتعويدهن على الأعمال المنزلية وحب المطبخ أكثر فأكثر.

وتجلس البنت الصغيرة إلى جانب أمها صبيحة العيد وتقلد كل ما تقوم به، فتأخذ حصتها من اللحم المقطع شرائح صغيرة وتقوم بتتبيله حسب ما تأمرها به والدتها، وتضعه على كانونها الصغير وتنتظره حتى ينضج ويصبح شهي المذاق.

وتقوم في الأثناء بتقطيع الخضروات بمساعدة أمها، وتضعها فيما بعد في القدر المخصص لها وتضيف له الزيت والخضر، وتطبخ غداءها وغداء الأطفال بمفردها، ليتذوقه جميع من في الدار كبارا وصغارا، وتتلقى بعدها الملاحظات والتقييمات حول ما قدمته، وتكون الملاحظات في مجملها إيجابية ومشجعة لها، حتى ترغب أكثر في الطبخ وتصبح "ربة بيت حاذقة ومتمكنة" عندما تبلغ سن الرشد والزواج".

وتصر عواطف "أم إيناس" على أن تتشبث بهذه العادة وأن تكررها سنويا، فمنذ أن أصبح عمر ابنتها ست سنوات عودتها أن تكون لها أوانيها الصغيرة التي تجددها كل عيد أضحى، بالإضافة إلى منديل طبخ خاص بها وقدرها وصحنها وملاعقها.

وأم إيناس حريصة على اتباع عادة الأجداد تلك، وهو ما يثير الاستغراب لدى صديقاتها اللاتي لا تعرفن الكثير عن "الزغديدة"، فهي تكاد تكون منسية أو تجاوزها الزمن بالنسبة إليهن.

ولعل أبرز حكمة تستخلص من هذه العادة هي جعل الفتاة الصغيرة قادرة على الطبخ مستقبلا، وترغيبها في أعمال البيت، وتعويدها تحمل المسؤولية منذ الصغر، وإدخال الفرحة والبهجة على قلبها، لا سيما عندما يعجب الجميع بما تقدمه من مأكولات، تكون على بساطتها طيبة المذاق.

المصدر : وكالة الأناضول