يعتبر زواج القاصرات ظاهرة مزمنة في دولة جنوب السودان، خاصة في المجتمعات الرعوية حيث تتزوج 40% من الفتيات تحت سن 18 عاما عادة من رجال كبار في السن. ومع تعاطي عدد من الناس مع الفتيات على أنه "استثمار"، تنتشر الظاهرة خاصة في ظل غض القانون الطرف عنها.

تقول فتاة تزوجت وهي بعمر 15 عاما، إنه كان عليها مواجهة المنافسة والغيرة فتزوجت عام 2009 من رجل كبير في السن.

وفي وقت سابق من العام الجاري، انتقل زوج الفتاة البالغ 52 عاما ويعمل حارسا للماشية، رفقة عائلته المكونة من المتحدثة وأربع زوجات أخريات وأطفاله، من ولاية جونقلي (شرق البلاد) إلى العاصمة جوبا.

وقالت الفتاة العشرينية إن النساء الأخريات أكبر منها، والزوج يهتم بها أكثر، ومن ثم "هن لا يردنني".

وكانت المتحدثة في المدرسة الثانوية عندما "مُنحت" إلى زوجها مقابل 50 رأسا من الماشية، وقالت إنها احتجت معربة عن رغبتها في إكمال تعليمها، إلا أن والدها أجبرها على الزواج.

أما أياو فلورنس (25 عاما) التي تزوجت قبل عشرة أعوام، فقالت إن والدها أخبرها بأنها كبيرة بما يكفي للزواج، وإذا بقيت في المنزل أكثر من ذلك فلن تجد من يرغب في الزواج بها. ولا تعرف فلورانس عمر زوجها، لكنها قالت إن لديه زوجتين قبلها.

وأضافت أن زوجها لم يضربها، ولكن كان عليها أن ترعى نفسها، وعندما تمرض أو يمرض طفلها يصعب عليها أن تجد المال اللازم للحصول على العلاج.

زوج فلورانس الذي كان يملك متجرا في ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل (شمال البلاد)، قتل في معارك بين القوات الحكومية والمتمردين.

وبعد مقتل زوجها انتقلت فلورانس وابنها (8 أعوام) إلى العاصمة جوبا، وهي تبيع حاليا الفول السوداني المحمص للحصول على قوت يومها، وتحصل في اليوم على نحو عشرة جنيهات جنوب سودانية (نحو دولارين).

فطومة إبراهيم:
وجود فتاة بين الأبناء أصبح استثمارا، فكلما تزوجت الفتاة مبكرا كان الأمر أفضل، لأنه إذا بقيت في المنزل طويلا -مع احتمال أن تبدأ علاقة مع شخص ما- ستخسر العائلة المهر المدفوع في ابنتهم

قيم متأصلة
وظاهرة الزواج المبكر في جنوب السودان ربطتها لجنة حقوق الإنسان المحلية بالثقافة والقيم المتأصلة في البلاد.

وقالت مديرة اللجنة للدراسات مارغريت ميسكو إن "الثقافة في حالة شد وجذب مع قوانيننا"، مضيفة أنه يجب أن تصل الثقافة والقانون إلى حل وسط حتى يتم اتباعه.

ولفتت إلى أن الخوف من التبليغ عن حالات اغتصاب يعد سببا في انتشار ظاهرة الزواج المبكر، فتجبر الفتيات على الزواج من "المغتصب".

وأضافت ميسكو أن الفقر يعد من الدوافع الأساسية لزواج الأطفال في جنوب السودان، قائلة "عندما يُظهر الأغنياء أن لديهم كثيرا من المال والأبقار للزواج، يترك الآباء بناتهم".

ووافقت رئيسة حماية الأطفال في صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في جنوب السودان فطومة إبراهيم، على أن الفقر يعد من الدوافع الرئيسية لزواج الفتيات في سن مبكر، لافتة إلى اتساع رقعة الفقر بعد القتال الذي نشب في البلاد قبل تسعة أشهر.

وقالت إن وجود فتاة بين الأبناء أصبح استثمارا، فكلما تزوجت الفتاة مبكرا كان الأمر أفضل، لأنه إذا بقيت في المنزل طويلا -مع احتمال أن تبدأ علاقة مع شخص ما- ستخسر العائلة المهر المدفوع في ابنتهم، مؤكدة تقارير تفيد بأن بعض الفتيات تزوجن بمجرد إكمالهن عامهن الـ12.

وبالاستناد إلى إحصاء سكاني أجري عام 2008 ونشر عام 2010، قالت فطومة إن 40% من الفتيات دون الـ18 يتزوجن، مضيفة "في أحيان كثيرة يُجبَرن على ذلك".

ولفتت إلى صعوبة مواجهة مثل هذه الظاهرة لأن كثيرا من الرجال يتزوجون بالفتيات الصغيرات، مشيرة إلى أن الظاهرة منتشرة بين ملاك الماشية ومسؤولي الخدمة العامة والمدرسين والإداريين، معتبرة أن هذا أقرب إلى "الاستغلال الجنسي".

ونبهت فطومة إلى أن الزواج المبكر له تأثير كبير على الفتيات، فاجتماعيا ستتوقف الطفلة عن الدراسة، ومن ثم لا تطوير للفتاة ولا لأطفالها بالتالي.

المصدر : وكالة الأناضول