أعضاء في مدرسة الحب والسلام أثناء اشتراكهم بإحدى الفعاليات (الجزيرة)

عبد الله الرفاعي-البصرة

لم يكن لؤي الخميسي (31عاما)، المنتمي لطائفة الصابئة المندائيين في البصرة، سوى واحد من الشباب الذين ما زالوا يحلمون بمجتمع آمن تسوده كل قيم المحبة والسلام، في مدينة كانت فيما مضى محطة لكل المحبين.

وهو يدرك أن تحقيق هذا الحلم صعب المنال خاصة أنه من طائفة تُعد من الأقليات، حيث لم يتبق من أتباعها إلا القليل، فتيارات الموت -كما يقول- باتت أعنف من نسائم الحب.

وإزاء ذلك، لم يجد الخميسي مناصاً من السباحة ضد التيار ووجد المجتمع الشبابي الجامعي أفضل نقطة لإطلاق حلمه، فأنشأ في بادئ الأمر نواة لما أطلق عليها اسم "مدرسة الحب والسلام"، فكانت المفاجأة  كبيرة بالنسبة له حين رأى استجابة من شباب محافظة البصرة جنوب العراق.

نظرة طائفية
لؤي الخميسي باحث في الشؤون الاجتماعية والتاريخية وناشط في المجتمع المدني والأمين العام لمؤسسة مدرسة الحب والسلام في البصرة. 

لؤي الخميسي الأمين العام لمؤسسة مدرسة الحب والسلام (الجزيرة)

يقول إن الفكرة راودته بعد عام 2003 حينما بدأت بعض التيارات السياسية تخوض في دوامات طائفية مع انهيار الدولة بكل مكوناتها في العراق؛ ولحاجة المجتمع إلى صوت يوقف الخطاب الذي يحرّض على القتل.

بيد أنه لم يتمكن من تحقيق طموحه نظراً لصعوبة الوضع آنذاك. وسنحت له في عام 2008 الفرصة للإعلان عن مدرسة الحب والسلام، وكانت كلية الفنون الجميلة بالبصرة هي المكان المناسب لطرح مثل هذه الأفكار كونها الحاضنة للإبداع بكل جمالياته.

ويضيف الخميسي في حديثه للجزيرة نت، أن عدد أعضاء المؤسسة وصل اليوم إلى أكثر من مائتي عضو من كلا الجنسين ومن مختلف الطوائف في محافظة البصرة، "فهناك المسيحيون والمسلمون والصابئة، وبالرغم من قلة العدد، إلا أن الفكرة بدأت تنتشر من خلال النشاطات التي تضطلع بها المدرسة في البصرة وأطرافها".

الحب الحرام
ويذكر الخميسي أن فكرته لاقت معارضة من بعض المسؤولين في الحكومة المحلية عام 2008، وهي معارضة قامت على أساس طائفي، لأن من صدعوا بها لا يرغبون في أن يروا ناشطاً مدنياً مندائياً من طائفة غير طائفتهم.

وقال إن دائرة تسجيل منظمات المجتمع المدني ببغداد اعترضت بدورها على اسم المؤسسة وغيرته من الحب إلى المحبة، "لأن الأول يدخل في محظورات الثقافة العراقية الجديدة، وكل هذا لم يوقف همة الشباب، الذين زاد إصرارهم على الاستمرار".

 مدرسة الحب والسلام جمعت ألوان الطيف الديني بالعراق (الجزيرة)

واستطاعت المدرسة أن تؤثر في اختيار ألوان المجتمع لما له من تأثير على مزاجية أفراده، فالزائر لمدينة البصرة سيرى أن اللون السائد في المدينة هو الأسود. غير أن الأعضاء استطاعوا التأثير على بعض الشباب لاختيار ملابس بألوان زاهية تعكس دواخل الروح المحبة.

وفيما يتعلق بآخر مشاريعها، يشير الخميسي إلى أن المؤسسة تقوم حالياً بتنفيذ ورشة عمل تناقش ظاهرة التحرش الجنسي في المجتمع العراقي، وشارك فيها عدد من الشباب من الجنسين بالبصرة.

مدينة طوائف
من جهته، قال الناشط والباحث الاجتماعي، صفاء حسين التميمي، إن المجتمع العراقي بحاجة إلى نشر قيم المحبة والسلام بدلاً من الاقتتال والتناحر والتفرد بالرأي، وهي المفردات السائدة اليوم في ظل تجاذبات سياسية أضرّت كثيراً بالمجتمع.

وأضاف أن "المجتمعات الإنسانية لا يمكنها أن تستمر دون تواصل، وهي مجتمعات متداخلة تحتاج لبعضها حتى إن اختلفت الأديان والمصالح فكيف بمجتمع واحد مثل المجتمع العراقي الذي عاش طيلة قرون مضت متحاباً متآلفاً.

ويمضي التميمي إلى القول إن البصرة مدينة متعددة الأديان والطوائف، "ففي خمسينيات القرن الماضي كان فيها أربع ديانات هي الإسلام والمسيحية واليهودية والصابئة المندائيين، وكانوا متعاونين متحابين، إلا أن ذلك النسيج الديني في المدينة قد اهترأ بفعل سياسات الأنظمة المختلفة. ولو كانت هناك جرعات كافية من المحبة لما وصل حال البصرة إلى ما وصل إليه اليوم".

المصدر : الجزيرة