للساحات الدينية في صعيد مصر طابع خاص حيث تزدحم بزوارها طوال شهر رمضان (الألمانية)

هناك الكثير من العادات والتقاليد الرمضانية التي تجمع بين المسلمين، بعضها ما زال يمارَس حتى اليوم وبعضها الآخر مرت عليه سنن الحياة فتغير قليلا، أو كاد يندثر.

ويتشوق الصائمون في صعيد مصر إلى مظاهر رمضان العتيقة، وكيف كانوا يحيون أيامه ولياليه في الماضي وذلك برغم كل مظاهر الحداثة التي تشهدها البلاد وانتشار أدوات التكنولوجيا، حيث يحرصون على العودة بذاكرتهم إلى الوراء لاستعادة ذكريات شهر الصوم الجميلة، وتلك "الأيام الخوالي وزمن البراءة والنقاء والقناعة"، وكيف كانوا يستقبلونه.

وبالرغم من اندثار العديد من العادات والتقاليد والموروثات الشعبية الرمضانية، ما زال القليل من تلك الموروثات باقيا، فعند رؤية الهلال لا يزالون يتزاورون ويتبادلون التهنئة بقدوم رمضان.

وإن كانت قد اندثرت عادات فقد ظهرت عادات أخرى طيبة، مثل ظاهرة قيام معظم الجمعيات الأهلية بتوزيع الأطعمة والاحتياجات الرمضانية طوال شهر رمضان للأسر الفقيرة والمحتاجة.

ويعتبر مدفع الحاجة فاطمة من المظاهر العتيقة التي لا تزال باقية بالصعيد، وما زال المدفع باقيا أمام مبنى الدفاع المدني والإطفاء وسط مدينة الأقصر، فمع قدوم هلال شهر رمضان في كل عام يخرج إلى النور مدفع عتيق يجذب عيون الناس، وجذب المدفع اهتمام الباحثين الذين نقبوا عن تاريخه في كتب التاريخ.

مدفع الحاجة فاطمة وصل إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل من إنجلترا عام 1871 (الألمانية)

مدفع الحاجة فاطمة
وكما يقول الباحث عز العرب عبد الحميد ثابت فإن هذا المدفع هو أحد مجموعة من المدافع التي وصلت إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل من إنجلترا، وهو مصنوع بها عام 1871، وهو من النوع "الكروب".

وفي ليلة الرؤية كان يخرج موكب من أمام مركز الشرطة حيث يتقدمه راكبو الخيل ثم الموسيقى ثم صفين من الجنود على جانبي الطريق ثم المدفع مزدانا بالورود والأزاهير تجره أربعة خيول، حيث يوضع في المكان المخصص له، وكان هذا المكان أمام مدرسة التجارة بالأقصر ثم تعددت بعد ذلك أماكن انطلاقاته.

ومن الصور الرمضانية التي لا تنسى في صعيد مصر إقامة أفران الكنافة والقطايف، وإضاءة العقود والزينات الكهربائية وفتح الزوايا ودواوين العائلات قبل قدوم الشهر بأيام، واستعداد العائلات لإحياء ليالي شهر رمضان بدعوة أحد "المشايخ" الذي يقرأ القرآن وينشد التواشيح الدينية والأدعية والابتهالات طوال شهر الصوم بدءا من آذان المغرب وحتى طلوع الفجر، كما تنتشر موائد الرحمن في الشوارع والميادين وأمام المنازل.

وهناك أيضا استعداد الأسر لاستقبال شهر رمضان بشراء احتياجات ولوازم الشهر الكريم مثل المكسرات والمخللات والفول المدمس، كما يستعد الأطفال بطريقتهم الخاصة فيصنعون "مدافع" صغيرة يقومون بحشوها بالكبريت لتنطلق أصواتها مزلزلة المكان مع كل أذان. وتعلق الزينات المصنوعة من الورق والبلاستيك والفوانيس ومجسمات المساجد فوق المساكن وبين الطرقات.

ومن الطقوس والعادات الرمضانية التي اندثرت في رمضان الآن عمل الكنافة داخل المنازل والتي كانت أحد معالم رمضان الشهيرة خاصة في قرى الصعيد، حيث كان يوجد في كل بيت صاج وكوز الكنافة الشهير شاهد على ذلك، ولم تكن قد انتشرت بعد أفران الكنافة البلدي ثم الأفران الآلية لصنع الكنافة، وما زالت الأمهات والجدات يتذكرن عمل الكنافة البيتي.

وللساحات الدينية طابع خاص، حيث تزدحم ساحة الشيخ الطيب حيث ولد شيخ الأزهر أحمد الطيب بزوارها من كل مكان طوال أيام الشهر، كما يفد إليها الكثير من أبناء العالم الإسلامي وجالياته من المغرب وتركيا وحتى اليابان وأمريكا. كما تعج الساحة الرضوانية والساحة الجيلانية وغيرها من الساحات بزوارها.

طوال رمضان تقام ولائم الطعام في الدواوين وينشد الفنانون الشعبيون الأشعار والابتهالات(الألمانية)

الأشعار والابتهالات
وتقام طوال رمضان ولائم الطعام في الدواوين، وينشد الفنانون الشعبيون الأشعار والابتهالات، وفي أول ليلة من رمضان لا بد من قيام كل آسرة بإرسال العشاء، أي اللحوم والخضراوات، لكل بناتها المتزوجات، وتتلقى كل فتاة مخطوبة الهدايا والعشاء من خطيبها أيضا.

وتنتشر في قرى مصر وخاصة في الصعيد الطرق الصوفية بصورة واسعة، فلا تخلو قرية مصرية من وجود طريقة صوفية بها منذ مئات السنين، وتلك الطرق لها دور كبير في أن يكون لرمضان طابع خاص في صعيد مصر. ويقال إن عدد الطرق الصوفية بلغ في مصر العثمانية ثمانين فرقة، لكل منها فروع في القرى والمدن، وكان لكل طريقة وما زال شعارها وأورادها الخاصة بها.

ولا يقتصر إقبال الناس في الأقصر على الساحات الدينية في رمضان والمناسبات الدينية فقط، بل تستقبل تلك الساحات العشرات ممن يرغبون في العلاج والتداوي بالأعشاب، حيث يجدون من يساعدهم دون مقابل.

كما يوجد بالساحات من يجيدون قراءة الرقية الشرعية، فيرقون بها كل من جاء إليهم يعاني من ضيق وأزمات نفسية، فيشعر بالراحة لمجرد قراءة الرقية عليه.

وتأتي أنشطة الساحات الدينية بالأقصر في مجال المصالحات والعلاج بالقران والأعشاب تحت شعار يقول "يا دنيا من خدمك فاخدميه ومن استخدمك فاستخدميه"، أي أن من يستغل علمه وماله ووقته في أن يخدم الناس لوجه الله يجد من يخدمه ويوفقه الله والعكس صحيح.

كما أن لتلك الساحات دورا كبيرا في نشر مفاهيم الإسلام الصحيحة ومحاربة التطرف والغلو، حيث تشهد الساحات بشكل دوري عشرات المحاضرات لكبار علماء الإسلام بجانب مجالس وحلقات الذكر الشرعي.

المصدر : الألمانية