شو لي تساي وكلبه يعتنيان بالأسماك (الجزيرة نت)
عزت شحرور-بكين

ما أن يصدر مربي الأسماك الصيني "شو لي تساي" صفيرا من فمه حتى يهب كلبه "ماو دو" قاصدا شبكة التقاط الأسماك، يعض عليها بنواجذه ويحملها ميمما صوب صاحبه ليبدآ معا عملهما الروتيني المعتاد بتنظيف أحواض السمك من أوراق الشجر المتساقط عليها، لا يضاهي ولع شو لي تساي وعلاقته بكلبه سوى ولهه وعشقه لأسماكه.

وتعد أسماك الزينة أو "الأسماك الذهبية" جزءا مهما من رموز الثقافة الصينية، يعود إلى عدة قرون خلت. ابتدعها أحد الأباطرة وتوارثتها الطبقات المترفة قبل أن يتحول إلى عادة شعبية مع مرور الزمن.
 
ولا يزال الصينيون يمارسونها حتى يومنا هذا. ولدى البعض اعتقاد بأنها تجلب الحظ، بينما يكتفي البعض الآخر بجماليتها وتأمل حركاتها الانسيابية الهادئة فتبعث الراحة في النفوس وتؤدي إلى استرخاء العضلات وتخفيف التوترات التي يسببها ضغط العمل وأعباء الحياة.

ميراث عائلي
منذ نعومة أظفاره نشأ شو في عائلة برعت في تربية أسماك الزينة وتوارثتها على مدى ثلاثة قرون حتى آلت إليه بعد عشرة أجيال.

وطوال تلك الفترة ارتبط اسم العائلة بهذه الأسماك، واستحقت عن جدارة لقب "آل السمك".

قبل أكثر من مائة عام، فتحت المدينة المحرمة أبوابها أمام "شو الجد" ليتبوأ منصب المربي الخاص لأسماك الزينة في بلاط الإمبراطور.

أسماك الزينة جزء أصيل في الثقافة الصينية (الجزيرة نت)

وبعد تأسيس الجمهورية عام 1949 اختير "شو الأب" ليسافر إلى الهند عام 1954 في مهمة خاصة حاملا معه مائة زوج من أسماك الزينة كهدية عيد ميلاد لرئيس الوزراء الهندي آنذاك جواهر لال نهرو.

ومن جده وأبيه ورث شو سر المهنة وخبرها كأصابع يده، وباتت لعبته أو هوايته المفضلة.

وفي فترة التطرف الأيديولوجي إبان "الثورة الثقافية" في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، اضطر لتربيتها سرا بعيدا عن أعين الرقيب عندما اعتبرت تربية الأسماك والأزهار من العادات البرجوازية وجرت محاربتها ومعاقبة القائمين عليها. 

تضحيات
ضحى شو كثيرا وعانى طويلا وباع كثيرا من ممتلكاته كي يحافظ على إرث العائلة وميراث الأجداد، ونجح في ذلك. وذاع صيته لبراعته في تطوير أنواع جديدة من أسماك الزينة، منها الحمراء الملساء والسوداء الخشنة، ومنها المرقطة أو الشفافة، بعضها برأس يشبه رأس الأسد أو النمر، وأخرى كشكل التنين.

يحدثك عن كل واحدة فيها، ويسلسل لك حسبها ونسبها كأنه يحدثك عن عزيز. ويجوب بأسماكه مدن الصين وبلاد العالم من أميركا إلى اليابان لعرضها وبيعها بعض أسماكه يتجاوز سعر الواحدة منها ألف دولار.

لا يتعاطى مع أسماك الزينة العادية التي تباع في الأسواق الشعبية ولا يلتفت إلى تربيتها، فتاريخ العائلة وتراثها المجيد لا يسمحان له بذلك، كما يقول لنا.

مع كل هذا النجاح الذي حققه شو لي تساي يبدو حزينا، حيث سيسدل الستار عنده على إرث عائلي استمر لثلاثة قرون. والسبب في ذلك "قانون الطفل الواحد" الذي تتبناه الصين وتفرضه بقسوة منذ ثلاثة عقود، فقد كان قدره أن ينجب بنتا، وعما قريب سترتبط باسم عائلة أخرى وينتقل معها كل إرث عائلة شو، ويؤول إلى عائلة زوجها.

المصدر : الجزيرة