صورة لمعتقلة تم قتلها وصورها الناشطون في حقبة حكم الحزب الشيوعي بالتشيك (الجزيرة)

أسامة عباس-براغ

أن تزور متحف العهد الشيوعي وسط العاصمة التشيكية براغ فهذا يعني العودة بالذاكرة إلى عقود مضت وكأنك تعيش في عالم آخر، ناهيك عن المفارقة الكبيرة بين الأمس واليوم حيث لم يعد يوجد مكان للرفاق الاشتراكيين وحكمهم الشمولي، الذي اُستخدم فيه فعل الأمر بشراسة جردت الإنسان من حقوقه.

لكن اليوم وبعد أكثر من عشرين سنة حصل التغيير، إذ أصبحت الحياة في المجتمع التشيكي أكثر إنسانية وحرية بعيدا عن الاعتقال والتعذيب والقتل.

إلى هذا المتحف الذي يختصر حقبة استمرت من عام 1948 إلى 1989، يتوافد الزوار من جميع أصقاع الأرض من أجل فهم طبيعة هذا البلد الحديث العهد بالديمقراطية، وحيث يلاحظ أيضا أعداد لا بأس بها من المواطنين التشيك، وتسمع أصواتهم بشكل واضح في بعض الأماكن من المتحف، خاصة في تلك الغرف التي تحتوي على أدوات التعذيب.

ويتبادل الزوار النكات والتعليقات الساخرة التي تصدر وبشكل خاص من الرجال في العقد السادس الذين تربوا وتعلموا من الرفاق الاشتراكية في ظل الاضطهاد والقمع الجماعي، للاستمرار في الحكم وبيد من حديد تحت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.

في المتحف أيضاً غرفة خاصة لأدوات الشرطة السرية، التي كان لها دور كبير في العصر الشيوعي، إضافة إلى عينة من ملابس الشرطة وشرائط وأفلام تسجيلية تعرض بعض حقائق الشيوعية.

غرفة التحقيق مع المعتقلين السياسيين وتوثيق أقولهم في الحقبة الشيوعية (الجزيرة)

إعدامات وسجناء
فعلى سبيل المثال أًعدم في تشيكوسلوفاكيا في العام 1989 وحده 179 سجينا، وتشير سجلات السجون إلى أنه كان هناك 257864 سجينا سياسيا وحوالي 200 ألف جاسوس، كما أنه كان قد تم إقالة وطرد أكثر من 500 ألف موظف في مؤسسات الحزب الشيوعي، في حركة التطهير التي أعقبت ربيع براغ عام 1968.

المشرف على المتحف رودولف باير شرح للجزيرة نت أقسام المتحف، التي تبدأ بالحقبة التي تأسس فيها الحزب الشيوعي، حيث تم عرض تماثيل ضخمة لكبار القادة مثل لينين وستالين، وأدوات تم استخدامها، مرورا بالحقبة التي حلم فيها الناس بالتخلص من الحكم الشمولي، وانتهاء بالحقبة العملية التي شهدت سقوط الأيديولوجية وبالتالي التحرر وسقوط الشيوعية عام 1989.

ثم تلا ذلك انتخاب الراحل فاتسلاف هافل رئيسا للبلاد، بعد أن سُجن وعذّب في معسكرات العمل الإجباري الجماعي خلال حياته بوصفه معارضا سياسيا أردا التغيير ونجح مع زملائه في نقل البلاد إلى الحياة الديمقراطية.

تمثال ضخم للينين في المتحف كان موجودا بإحدى ساحات براغ بالحقبة الشيوعية (الجزيرة)

أفظع القصص
في غرفة الشرطة السرية قال باير إن الصور المنشورة على الجدران تحكي أفظع القصص، مثل حالات التعذيب والاضطهاد والإعدامات التي كانت تجرى بعد محاكمات شكلية فقط.

كان قادة الحزب الشيوعي يحضرون لها في مثل هذه الغرف، بعد إجبار المتهمين على التوقيع على إفاداتهم وتلفيق التهم لهم، حيث كان يتم تصويرها لاحقا لعرضها على الرأي العام على أنها عادلة في حين أن الحقيقة كانت مغايرة تماما لما كان يشاهده الناس، وقد تم فضح بعض تلك الحالات بعد سقوط نظام الحكم الشيوعي، وتم توثيقها وعرضها، مثل تلك الوثائق في هذه الغرفة المشابهة تماما لغرف تلك الحقبة.

ويضيف باير أن فكرة إقامة هذا المتحف تعود لرجل الأعمال الأميركي كلين سبيكير، بعد أن درس العلوم السياسية واختص في الشأن الروسي لينتقل بعدها إلى براغ من أجل الاستقرار قبل حوالي عشر سنوات، ومن ثم تأسيس المتحف وسط المدينة على بعد أمتار من أحد رموز الرأسمالية الأميركية (مطعم ماكدونادز).

باير ختم شرحه بالقول إنه يتم تعريف زوار المتحف بعدة لغات بمعنى الشيوعية والاشتراكية في جملة واحدة، فالأولى تعني نظاما شموليا يدعي أنه اجتماعي خال من الملكية الشخصية، في حين أن الاشتراكية حسب فهم الشيوعية لها هي أكثر ديمقراطية وتركيزا في مجال الشراكة الاقتصادية.

المصدر : الجزيرة