جانب من الحديقة الأندلسية بحديقة الفيلهلما بألمانيا (الجزيرة نت)
 خالد شمت-شتوتغارت

تبدو العمارة الإسلامية بطابعها المميز مهيمنة بوضوح على معظم التصميمات والأجزاء الداخلية والخارجية لحديقة الحيوان التاريخية المسماة "الفيلهلما" في مدينة شتوتغارت، عاصمة ولاية بادن فورتمبرغ الألمانية. وأدرجت الحديقة بفضل طرازها المعماري ضمن قائمة الإرث الحضاري الإنساني، وتصنف كأول حديقة في ألمانيا تجمع بين حديقة للحيوانات وحديقة للنباتات المعروفة والنادرة.

ولفت كتاب الفيلهلما السنوي الصادر عام 2011 إلى أن التعرف على معالم العمارة الإسلامية بحديقة حيوان شتوتغارت، كان الدافع الرئيسي لزيارة السائحين الأجانب الذين مثلوا نسبة 55% من بين 2.5 مليون شخص زاروها عام 2010.

ويطلق على الفيلهلما اسم "الحمراء على ضفاف النيكر"، في إشارة إلى قصر الحمراء الشهير بمدينة غرناطة الأندلسية، ونهر النيكر المار عبر مدينة شتوتغارت الواقعة جنوبي ألمانيا. وما إن يقترب الزائر من الحديقة حتى تطالعه مظاهر المعمار الإسلامي بمجرد قدومه إلى بوابتها الرئيسية.

المعمار الإسلامي الذي تحفل به حديقة الفيلهلما يبدو ظاهرا للعيان عبر مفردات عديدة، من بينها عقود حدوة الفرس المميزة لقصر الزهراء بمدينة الزهراء جنوبي مدينة قرطبة الأندلسية
"

لا غالب إلا الله
وتنتشر فوق بعض جدران ومبانى الحديقة عبارة "لا غالب إلا الله" التي كانت شعار دولة الأغالبة في الأندلس، وكلمات عربية أخرى حال الزمن وعوامل التعرية دون جعلها واضحة المعالم.، ويمر الزائر في تجواله بطول الفيلهلما وعرضها على مبان كثيرة أخذت في تصميماتها الخارجية أشكال مساجد تكسوها نقوش وزخارف إسلامية وتعلوها قباب فوقها أهلة.

وأشار الأكاديمي سيد إبراهيم عواد الحاصل على الدكتوراة من جامعة شتوتغارت في العمارة الإسلامية، إلى أن المعمار الإسلامي الذي تحفل به الحديقة، يبدو ظاهرا للعيان عبر مفردات عديدة، من بينها عقود حدوة الفرس المميزة لقصر الزهراء بمدينة الزهراء جنوبي مدينة قرطبة الأندلسية، والأهلة فوق عدة قباب بصلية كالمنتشرة في مساجد العراق وإيران.

واعتبر عواد في تصريح للجزيرة نت أن إدخال الماء بتصميمات حديقة حيوانات شتوتغارت يعتبر نقلة نوعية من المعمار الأندلسي الإسلامي الذي استخدم الماء كعنصر مكمل للمعمار، ولفت إلى أن هذا يبدو واضحا في جدول للمياه أمام مبنى بالحديقة يشبه مسجدا وصمم على غرار قصر حوش الريحان بمدينة غرناطة الأندلسية.

وأشار إلى أن تصميم بوابة الحديقة بين الأقواس والزخارف النباتية والشكل المثمن، يعطي الزائر من على بعد انطباعا بتشابه هذه البوابة مع تصميم المسجد الأقصى بالقدس الشريف.

وتمتد حديقة حيونات شتوتغارت على مساحة 30 هكتارا وتضم 8900 نوع من الحيونات و5800 نوع من النباتات المعروفة والنادرة من كافة الأقاليم المناخية في العالم. وأخذت الحديقة اسمها من اسم ملك مقاطعة بادن فورتمبرغ الذي أمر ببنائها  كمقر لإقامته وقاعة لاستقبالاته وسط حديقة بجوار ينابيع للمياه المعدنية تفجرت وسط شتوتغارت عام 1821.

القباب البصلية ذات الأهلة من المظاهر الملفتة في مباني حديقة شتوتغارت (الجزيرة نت)

تأثر بالأندلس
وأمر الملك غليوم كبير مهندسيه المعماريين كارل لودفيغ فون تسانت بالسفر إلى إقليم الأندلس لمعاينة قصر الحمراء الشهير في غرناطة والاقتباس من معماره في تصميم المقر الملكي وحديقته بشتوتغارت.

وذكر المؤرخ المعماري جوزيف هامريوركشتال في كتابه "خانات شبه جزيرة القرم في الدولة العثمانية" الصادر عام 1856، أن الأمر الملكي للمعماري فون تسانت نص على تضمن تصميم الحديقة الملكية رمزا يعبر عن تسامح حضارة الأندلس الإسلامية مع الأديان المختلفة كاليهودية والمسيحية.

وفي يوم 13 سبتمبر/أيلول 1846 تم إفتتاح حديقة الفيلهلما رسميا، غير أن مبانيها اكتملت عام 1864 بتشييد قاعة الدمشقيين، وفي عام 1880 فتح المجال لزيارة الحديقة أمام مواطني ألمانيا التي كانت تسمى حينذاك بالرايخ البروسي الأول. وبعد إنهاء الملكية وقيام الجمهورية في ألمانيا عام 1919، تحولت حديقة حيوان شتوتغارت -شأنها شأن كل القصور والحدائق الملكية- إلى حديقة عامة.

وفي عام 1949 أعيد افتتاح الفيلهلما من جديد بعد إعادة ترميم أجزائها التى دمرتها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وتم منذ ذلك الحين استقدام مزيد من الحيونات والنباتات إليها.

وتمثل الحدائق الأندلسية ببرك مياهها وجداولها ومبانيها ذات القباب والأهلة، وقاعة الدمشقيين التي تم تجديدها عام 1992، أبرز معالم العمارة الإسلامية جذبا للزائرين في الحديقة. وتتوافد أعداد أخرى من الزائرين لمشاهدة مجسم لمعبد يهودي أقيم بالحديقة لتجسيد التسامح والتعايش بين الأديان في الأندلس الإسلامية.

المصدر : الجزيرة