أحد ملوك اليمن الأيوبيين قام ببناء المسجد عام 648 هجرية (الجزيرة نت)

ياسر باعامر-جدة


في بقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها الكيلومتر المربع في قلب مدينة جدة يمتزج التاريخ بالتاريخ وتحديدا في سور المدينة القديم الذي بناه المماليك إبان حكمهم للمدينة، وتمت إزالته عام 1974 بعد ظهور بوادر الطفرة النفطية.

يطلق على هذه البقعة "المنطقة التاريخية" لتراثها المعماري الفريد الذي يحيط بها من كل حدب وصوب، وأسواقها القديمة التي ما زالت تحتفظ بمسماها إلى اليوم، ومساجدها التي تعتبر "تحفة فنية ومعمارية" ما زالت تحتفظ هي الأخرى ببريقها رغم عزوف عاشقيها من ساكني المدينة عن تذكر تاريخها.

في أحد أطراف هذه المنطقة يلفت الانتباه أعمال "صيانة" كبيرة تقوم بها سلطات الآثار بأحد المساجد التاريخية التي يتجاوز عمرها الثمانية قرون حيث تشير الروايات التاريخية المنثورة في بطون الكتب التي تتحدث عن تاريخ جدة إلى أن منارتها بنيت في القرن السابع الهجري الموافق للثالث عشر الميلادي.

المسجد يتمركز في أقدم حارات جدة القديمة (الجزيرة نت)
بنيان فريد
إنه مسجد الشافعي أو الجامع العتيق (القديم) الذي يقع في زواريب أقدم حارات جدة القديمة بجانب سوق الصاغة والفضيات القديم وصانعي النحاس، وإلى الشرق منه توجد سوق النسيج والملابس المعروفة بسوق البدو التاريخي، هو مسجد فريد في عمارته مربع الأضلاع ووسطه مكشوف للتهوية من جو جدة الخانق في الصيف.

بني عام 648 هجرية على يد الملك المظفر سليمان بن سعد الدين شاهنشاه الثاني أحد ملوك اليمن الأيوبيين الذي كان شافعي المذهب، وعلى هذا الأساس جرى تسميته بـ"الشافعي" ثم جرى تجديد بنائه عام 940 هجرية على يد تاجر قدم من الهند يدعى "الخواجة محمد علي" إلا أن التجديد لم يشمل مئذنته.

ويقول خبير المنطقة التاريخية المهندس سامي نوار للجزيرة نت إن المسجد الذي تعهد بتجديده الملك عبد الله بن عبد العزيز سيقوم على الأساس القديم الذي بني عليه، خلافا لما تحدثت عنه بعض وسائل الإعلام المحلية من تغيير هيكلته.

ويضيف نوار الذي يعمل مسؤولا حكوميا في حفظ تراث المنطقة "تم جلب متخصصين عالميين أبرزهم خبير التراث العمراني العالمي صالح لمعي للوقوف على أعمال الترميم".

ويشير أيضا إلى أن "مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز آل سعود أدى صلاة الجمعة فيه".

ورغم توقف الصلاة في المسجد لأعمال الصيانة والترميم، إلا أن الزيارات لا تتوقف عن زيارة المسجد خاصة من السياح (عربا وعجما) الذين يفضلون دائما أن يضعوا في جدول زيارتهم لمدينة جدة زيارة منطقتها التاريخية ومسجد الشافعي على وجه الخصوص.

ويفسر ذلك الإقبال مسؤول في وكالة سياحة محلية أحمد الرويلي بقوله "إن زيارة المسجد تمثل بالنسبة للوفود السياحية اختصارا لحقب تاريخية متعاقبة مرت على بنائه".

التجويف البيضاوي داخل المحراب بناه السلطان عبد الحميد (الجزيرة نت)

حكايته المعمارية
من جهته يشير المؤرخ والأديب الراحل عبد القدوس الأنصاري إلى أن مئذنة الجامع تعد أقدم مئذنة في منقطة الحجاز.

وهذه المئذنة تشبه في بنائها الطراز الأيوبي الذي ظهر في مصر، والشام، واليمن منذ الربع الأخير من القرن السادس الهجري، واستمر حتى نهاية القرن السابع الهجري.

ويتحدث نوار عن صهريج ماء كبير لا يزال مستخدما لليوم، ويملأ من مياه الأمطار، وله فتحة مرتفعة مغطاة بقطع من الخشب، كما يتصدر حائط القبلة محراب مجوف زخرفت عقوده، بالزخارف الزيتية وكتابات قرآنية كتبت بالخط الثلث البديع على أرضية نباتية.

أما منبر المسجد الذي بني عام 940 هجرية، فهو خشبي درجه يوازي حائط القبلة، كما يوجد تجويف بيضاوي بداخل المحراب يسمى "الجامة" حفر عليه اسمان الأول لمن بناه "السلطان عبد الحميد أحد سلاطين العثمانيين"والثاني للمعماري محمد أفندي الذي سبق أن رمم المسجد الحرام بمكة المكرمة.

ووفق كتاب "جدة .. حكاية مدينة" فإن أعمدة المسجد جلبت في صدر الإسلام من مدينة نيسة بالحبشة (إثيوبيا حاليا) عند الفتح الإسلامي، وهي مصنوعة من الساج بما يشبه الرخام المخروط المائل إلى الحمرة.

تاريخياً ووفقا للمعلومات المتحصل عليها من بلدية المنطقة التاريخية، فإن أهالي المدينة اعتادوا على ضرورة توجه مواكب العرس وعقد حفلات القران في مسجد الشافعي والصلاة به استئناسا لبركته.

المصدر : الجزيرة