فينيسيا ظلت مقصد السياح رغم الأزمة الاقتصادية (الألمانية)

تبدو مدينة فينيسيا الإيطالية التي تخترقها البحيرات منطلقة من احتفالية لأخرى، ففيها تتوافر أشعة الشمس الدافئة والمباني ذات المعمار الجميل والسياح، وتألق وبهاء مهرجانها السنوي للسينما الذي يعد الأقدم على مستوى العالم، وذلك رغم أن إيطاليا نفذت مجموعة من الإجراءات التقشفية لتوفير مليار يورو لخفض عجز الموازنة بحلول العام 2014 في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي ضربت منطقة اليورو.

وحتى بعد رحيل نجوم وممثلي السينما الصاعدين عن مدينة فينيسيا بعد اختتام أعمال المهرجان السينمائي، فإن موقع المهرجان شمالي الحاجز الرملي بجزيرة الليدو يبقى مقصدا سياحيا تجب زيارته، ويمكنك أن تركب الباص المائي من وسط المدينة لتصل إلى الجزيرة وتتوجه إلى فندق إكسليسوار الكبير الفاخر قرب دار السينما.

وهذا الفندق مشيد على الطراز المغربي وكان جزءا من الليدو منذ أوائل القرن العشرين، ويقع قرب واقع كاتدرائية تشيزا دي سانتا ماريا ديلا ساليوت وبرج الجرس الشهير فيها والقناة الكبرى وهي من أهم الممرات المائية في فينيسيا. وحتى لو لم يكن بمقدورك النزول في هذا الفندق فيمكنك الاستمتاع بتناول "الموت في فينيسيا"، وهو كوكتيل أطلق عليه اسم الرواية الكلاسيكية الشهيرة للكاتب الألماني توماس مان.

الزوار يظلون يقصدون فينيسيا
حتى بعد انتهاء المهرجان (الألمانية)

ولو كنت ترى أن هذه المتعة البسيطة المتمثلة في الإقامة بهذا الفندق كئيبة بالنسبة لذوقك، فعليك أن تستأجر "كابانا" (كوخ) على الشاطئ الخاص الشهير التابع للفندق، ولكن بمبلغ كبير يصل إلى 300 يورو في اليوم خلال فصل الصيف. وهناك بديل آخر وهو أن تتجه إلى شاطئ ألبيروني جنوبي الجزيرة وتتجول في أرجاء قرية مالاموكو ذات المناظر الطبيعية الرائعة. وكلا المقصدين يبعد بمسافة تقطعها الحافلة في نصف ساعة فقط من جزيرة الليدو.

وعند العودة يمكنك أن تنزل من الزورق عند حدائق جيارديني وترسانة أرسنالي حيث يقام معرض بينالي فينيسيا للمعمار والذي سيستمر حتى 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2012. ونظم المعرض المعماري البريطاني ديفد تشيبرفيلد تحت عنوان "أرضية مشتركة". ويضم بينالي -وهو الثالث عشر من نوعه- معرضا واحدا يحتوي على 66 مشروعا قدمها مجموعة من المعماريين والمصورين الفوتغرافيين والنقاد والباحثين.

وقدم كثير من المشاركين في المعرض مشاريع أصلية مبتكرة أبدعوها خصيصا لهذا المعرض. وكان تشيبرفيلد هو المعماري الذي وقف وراء تشييد متحف نيوس في برلين والذي تعرض للدمار وأعيد افتتاحه في أكتوبر/تشرين الأول 2009.

وقد لعبت السياحة دورا بارزا منذ قرون في حياة أبناء فينيسيا، وفي القرن الثامن عشر جعلت المناظر الطبيعية هذه المدينة التي تحيط بها 118 جزيرة محطة رئيسية في "الجولة الكبرى"، وهي الجولة التقليدية التي كان يقوم بها أغنياء أوروبا لمشاهدة المعالم الكلاسيكية الأوروبية. ويوجد معلم للجذب الإضافي يتمثل في التراث الموسيقي والفني والثقافي الغني.

ويزور فينيسيا اليوم قرابة 20 مليون سائح سنويا، كما أن ميدان سان ماركس في وسط المدينة الذي يعد جزءا من أحيائها الستة، يعكس هذا التدفق السياحي. وربما تجد نفسك تتزاحم وتتدافع للحصول على موطئ قدم عندما تريد أن تلتقط صورة سريعة لمعالم الجذب الرائعة في المكان، مثل كاتدرائية سان مارك أو قصر دوجي وقصر داندول ومسرح فينشي وواحدة من الكنائس الكثيرة.

ويقول صاحب متجر للحلي الصغيرة الرخيصة بميدان سان مارك إن مدينة فينيسيا مشغولة دائما، وليست هناك علامة تشير إلى أن حركة البيع والشراء ستهدأ، وكذلك حركة أفواج الزوارق العائمة في القناة الكبرى ابتداء من السفن الفارهة والعادية وزوارق الأجرة والباصات المائية حتى الجندول، وهذا يثير التساؤل عما إذا كانت هذه المدينة العائمة يمكن بالفعل أن تستوعب كل حركة المرور هذه.

غير أنك إذا كنت بحاجة إلى فترة راحة فعليك بالتوجه عبر صفحة الماء إلى جويديكا التي تعني حرفيا الحي اليهودي، وهي عبارة عن شريط ضيق من الأرض على ضفة النهر المقابلة بمقاطعة إيستيري. وبينما يقترب الزورق عليك أن تلاحظ المعمار الكلاسيكي الرائع واثنتين من الكنائس هما ريدينتوري وسان جيورجيو ماجيوري، وهنا تلاحظ اختفاء الجو اللاهث بوسط المدينة حيث يحل محله هدوء يرحب بالزائرين.

وكانت جزيرة جيوديكا الجنوبية في الماضي مقرا لقصور كبيرة تحيط بها حدائق واسعة، وأصبحت في أوائل القرن العشرين منطقة صناعية بها أحواض لبناء السفن يمكنك أن ترى فيها زوارق الجندول عن قرب حيث ترسو الكثير منها في هذا المكان. وأصبحت جيوديكا اليوم منطقة سكنية أساسا.

وتحمل الشوارع الملتوية التي تبدو كالمتاهة أرقاما بدلا من الأسماء ويمكن أن تصيب الزائر بشيء من الحيرة، ويمكن للزوار أن يسيروا لعدة ساعات فوق رصيف الميناء ويزوروا متاجر بيع الحلي الرخيصة وقاعات عرض القطع الفنية أو يتناولوا العشاء في أحد المطاعم العديدة، وإذا كنت مقيما في جزيرة جيوديكا فعليك التقاط صور العلامات المميزة في الطريق إلى مكان إقامتك حتى لا تضل الطريق خاصة أثناء الليل.

ويقول صاحب أحد أماكن الإقامة التي توفر أيضا وجبة الإفطار في هذه الجزيرة، إن فينيسيا تستمتع بوقت قليل من الراحة ويكون ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني، وفي ذلك الوقت يستحوذ أبناؤها على مدينتهم لفترة قليلة من الزمن. وبمجرد أن يبدأ المهرجان في العام التالي تتدفق أمواج من السياح بالآلاف.

وتعد فينيسيا -وهي المدينة التي لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة بدون الماء- نموذجا مضيئا للمعمار العائم بالمباني المشيدة من عشرات الأعمدة من الأخشاب الصلبة. وحتى الآن تمكنت المدينة من تحدي المخاوف من أن تتعرض للغرق.

المصدر : الألمانية