في حي القصبة بتونس تتعايش الحداثة والأصالة   

محمد المختار-تونس

علمونا في المدارس أن تونس من الدول التي تحمل اسم عاصمتها، ولكنهم لم يقولوا لنا إن العاصمة الفعلية هي ذلك الحي العريق المسمى القصبة.

في لسان العرب أن "قصبة البلد مدينته" وتشهد السياسة في تاريخ تونس أن القصبة هي مدينتها وعاصمتها الفعلية، وحاضرة الإدارة والحكم فيها.

في قصر الحكومة الموجود اليوم حيث مكتب رئيس الوزراء أو الوزير الأول –قبيل حكومة المجلس التأسيسي- أقام الحفصيون الذين حكموا تونس نيابة عن الموحدين ما بين 1229 و1574 ميلادية.

وتعاقب عليها الدايات من 1598 إلى 1630 والبايات من 1631 إلى 1957 ميلادية، نيابة عن العثمانيين تقوى تبعيتهم مع الأولين، وتتحول إلى رمزية فتضمحل مع الأخيرين، حتى انتهوا عام 1957 عام استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي الممتد من 1881.

ثم جاء عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة من 1957-1987 ثم عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي من 1987 -2010 لتحل محله الحكومات المؤقتة وآخرها التي تقودها حركة النهضة عقب انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2011.

وإذا كان اشتقاق القصبة يدل من معانيه على الدائرة أو الحلقة، فإن القصبة هي حلقة تدور حولها الدوائر الحكومية المختلفة، فالزائر يدخل المدينة القديمة من ميدان تتحلق حوله دوائر الحكم، وأشهرها رئاسة الوزراء ووزارات المالية والدفاع والشؤون الدينية وغيرها.

القصبة تحتفظ بروح العتاقة فتشم فيها عبق التاريخ
عبق التاريخ
قريب من الساحة تلحظ رموز السلطة بينة، فهذه المدرسة الصادقية التي تخرج منها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (1903-2000)، وذلك ضريح الزعيم النقابي فرحات حشاد (1914-1952)، وهذا قصر البلدية، وذلك مقر الخطوط الجوية التونسية وهلم جرا.

المباني تحتفظ بروح العتاقة فتشم فيها عبق التاريخ، وتبدو وأنت تتمشى بين أزقتها -أو أنهجها بالتسمية التونسية- كأنك في مدينة قديمة كباقي المدن العربية القديمة المعروفة مغربا ومشرقا، إلا أن هذه تمتاز عنها بأنها مقر الحكم وتدبير شؤون البلاد.

لقد شيدت هذه المدينة على ربوة عالية، وذلك أمر مهم فيما قبل المدن الحديثة ونشأة الصرف الصحي، تشعر وأنت تتمشى فيها وكأنك تنحدر من صبب في أزقة نظيفة، تكتظ بالمتسوقين وتحيطها محلات تجارية متنوعة، وتحسب وأنت تسلكها مترفقا كأنك في سوق إسطنبول القديم، أو في أي من أسواق الشام القديمة في دمشق أو غيرها.

يبدو المعمار التركي ولمساته في المساجد واضحا، سواء في المبنى أو في نقوشه ومختلف الديكورات، وخاصة في الأقواس والأعمدة وتلك اللوحات التي تحمل نقوشا من شعر الصنعة السائد في ذلك العصر وتلك البلاطات.

الطرق تتفرع كالشرايين وتتعدد مداخلها، فتارة ترقب منها ضوء الشمس متسللا، ومن خلال أخرى تلحظ مزنة حائرة، ومن أخرى تدخل من قوس تحسبك تلج بيتا، وإذا أنت تتمشى في محلات أو تسير بين مداخل البيوت ذات الجدر الطويلة.

الإدارة والحكم حاضرة بحي القصبة بتونس
مساجد تاريخية
تتعدد المساجد التاريخية وتتقارب وتتشابه، بدءا من جامع الزيتونة الرمز الأشهر في تونس المؤسس في القرن الهجري الأول، وانتهاء بمسجد قرب المدرسة الصادقية هو الأقرب للطرز الحديثة، مرورا بجوامع أخرى كجامع القصبة المبني في القرن السابع الهجري، ومسجد حمودة باشا المشيد في القرن التاسع الهجري.

هنا أسراب من السياح في بلد تمثل السياحة قرابة ربع مداخيله، وهنا العرب والتوانسة كأن المدينة تصر على أن تجسدهم جميعا، فتتعايش الحداثة والأصالة ويعيشون جميعا حياتهم بالطريقة التي يرون، مسايرة للغرب أو تمسكا بما ارتضوه أصلح من تليد العادات وطريف الممارسات.

المدينة نظيفة والهواء نقي لا تشعر فيه بتلوث، ولعل ذلك من حسنات منع دخول السيارات إليها كما لا تجد ضوضاء المدن المزعجة، وكأن الحي العتيق يؤكد مقولة عالم البلاد الأشهر عبد الرحمن بن خلدون (1232-1406 ميلادية) من أن أصل كلمة تونس هو من الأنس، فهي تؤنس فعلا أهلها وزائريها.

المصدر : الجزيرة