أبو موسى مع ابنه إبراهيم وحفيديه

وديع عواودة-الخليل

"يا سيدي كلم سيدك" قول شعبي يطلقه الفلسطينيون عادة تعبيرا عن وجود معمر بين أفراد العائلة تجاوز المائة عام على الأقل، أما الشيخ محمد عبد الله حلاحلة (أبو موسى) فقد تجاوز عمره الـ107 أعوام معاصرا أربعة أنظمة حكم توالت على وطنه.

وبزيه الفلسطيني التقليدي (القمباز) وقبعته السوداء، استقبلنا أبو موسى بترحاب من كان ينتظر موعد اللقاء متأهبا ومفعما بالحيوية.

عمل أبو موسى مزارعا وجمالا، واعتاد التجوال على الجمل بين مدن فلسطين وأريافها وكان يعرف ببائع القمح والبرتقال.

خمس دول
في بطاقة هويته سجل تاريخ ميلاده في 1907 لكنه ولد في 1904 للتهرب من الخدمة العسكرية التركية، وعاصر على حد قوله أربعة أنظمة حكم: التركي والبريطاني والإسرائيلي والسلطة الفلسطينية.

ويتوقف أبو موسى عند بعض الأحداث التاريخية في فلسطين ويستذكر مشاركته وقريبه رضوان حلاحلة في تجاوز نقاط التفتيش الانتدابية لتهريب السلاح والذخائر من منطقة الخليل للثوار قبيل وأثناء معركة القسطل غربي القدس في ربيع 48.

كما يشير إلى أن استشهاد قائد معركة القسطل عبد القادر الحسيني الذي شارك في تشييعه في جنازة ضخمة سوية مع مئات الثوار، قد سهل مهمة الهاغانا في ارتكاب مجزرة دير ياسين بنفس اليوم.

مجزرة الدوايمة
ويستذكر المعمر الفلسطيني مجزرة أخرى حينما دخلت قوات الهاغانا قرية الدوايمة القريبة واحتلتها وقتلت العشرات من سكانها.

وينقل أبو موسى على لسان بعض الناجين من المجزرة أن الجنود اليهود حصدوا عشرات المدنيين حتى وهم يفرون منها علاوة على عمليات اغتصاب وهدم المنازل، وهذا ما يؤكده المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس في كتابه الجديد الصادر هذا العام "حرب 48"، وفيه يوضح أن الهاغانا قتلت ثمانين من أهالي الدوايمة قبيل وخلال فرارهم للقرى المجاورة في منطقة الخليل.

وينوه إلى أنه رأى قبل ذلك طابور اللاجئين من الأهالي المهجرين من قريتي عجور وزكريا الذين استقر بعضهم خاصة من عائلتي أبو زهرة وعدوي في بلدته خراس نهاية 1948.

وشارك أبو موسى في القتال بشكل مباشر حينما هب وعشرات الثوار من منطقته لمساندة الجيش الأردني في احتلال مستعمرة "كفار عتسيون" غربي الخليل.

ولفت إلى أن أعدادا كبيرة من الشباب من منطقة الخليل شاركوا في "الفزعة" يحملون مسدسات وبنادق لجانب الجيش الأردني وهم يرددون "دير ياسين.. دير ياسين".

وقال إنه بعد انتهاء المعركة التي عرفت بمعركة "كفار عتسيون" في مايو/أيار 1948، رأى عشرات القتلى وحوالي مائة من اليهود من الرجال والنساء استسلموا وهم يرفعون الراية البيضاء وأياديهم فوق رؤوسهم حتى تم تسليمهم للبريطانيين.

ولفت إلى أنه قتل بنفسه جنديا صهيونيا وحاز على بندقيته خلال تلك المعركة التي تزعم المصادر الصهيونية أن العرب ارتكبوا فيها مجزرة انتقاما لدير ياسين.

أبو موسى تحدث عن ماض مزدهر للمدن الفلسطينية
فلسطين الجميلة
وبخلاف ما تروج له أوساط صهيونية، يشير أبو موسى إلى أن الأرياف الفلسطينية قبل النكبة امتازت بوفرة مزروعاتها وخيراتها واكتفائها في حين ازدهرت المدن بتجارتها وعمرانها.

ويتابع "كنت أصل إلى حيفا ويافا والرملة والناصرة محملا الجمل بالقمح وأعود بالبرتقال، وكانت تجارتي مربحة، فالحمولة تكلفني قرشا وأبيعها بأربعين قرشا".

وردا على سؤالنا عن "عروس البحر"، نهض أبو موسى عن فراشه وكاد يطير فرحا وهو يتغزل بمدينة يافا قائلا "يافا هاي آفة بحلاوتها.. دور.. قصور ومقاه وشواطئ وأسواق على أنواعها وخير الله".

ويتابع "كنا نعيش بهدأة بال، نزرع أرضنا بالبقول والخضروات والكروم ونرضى بما يقسمه الله لنا، ونجعل من أيام الحصاد وجمع الغلال أعيادا ومناسبات سعيدة نطلق فيها الأغاني والأهازيج".

نظام الطعام
وعن نظام طعام والده، يوضح نجله إبراهيم أنه كان نحيفا ومحبا للطعام حيث يرافق مائدته دائما زيت الزيتون والسمن البلدي وخبز البيت، وهو مغرم بالخضار واللحوم والعسل أيضا.

ويتسم أبو موسى، الذي ما زال وفيا لـ"صوت العرب" من القاهرة وآيات الذكر الحكيم تتلى عبر أثيرها، بخفة روح تكشفت رغم توالي الأيام وما فيها حينما وقف عند تعدد زوجاته ومفاضلته بين "السمرا والبيضا" في التراث الشعبي.

المصدر : الجزيرة