الدراسات تثبت أن أداء المتحدثين بلغتين أفضل في مختلف المهام الإدراكية (الجزيرة-أرشيف)

مازن النجار

ترى باحثة بعلم النفس بجامعة بريتيش كولومبيا الكندية أن الاعتقاد بأن الأطفال مزدوجي اللغة يتعرضون للارتباك تعليميا والتخلف عن زملائهم أحاديي اللغة، خطأ شائع.

وجاء ذلك في ضوء دراسة أجرتها الباحثة جانيت ويركر حول اكتساب الأطفال مزدوجي اللغة مهاراتهم اللغوية، وبثت بالإذاعة القومية الأميركية العامة.

وتضيف ويركر أن نشأة الأطفال كمُزدوجي اللغة حالة طبيعية تماما كنشأة نظرائهم أحاديي اللغة، وتشير بدراستها إلى أن الأطفال المولودين في بيئة ثنائية اللسان يميزون بين اللغات مبكرا أي بعد ساعات من ولادتهم.

كما تنفي وجود أي دليل على أن اكتساب الأطفال للغتين يؤدي لارتباكهم أو تأخرهم تعليميا، بل إنها تقول وباحثون آخرون إن الدليل قائم فعلا على عكس ذلك حيث إن ازدواجية اللغة تعتبر أمرا جيدا لقدرة الطفل العقلية.

وتؤكد باحثة علم النفس بجامعة يورك الكندية بتورونتو، د. ألين بياليستوك، أن ذلك يكمن في طريقة أو آلية استخدام عقل الشخص مزدوج اللسان للغة ذاتها.

وتقول بياليستوك أيضا إنه برغم غموض أمور كثيرة بعلم النفس، فإن الثابت لدى أغلبية العلماء وبيقين كبير أنه لدى مزدوجي اللسان الذين يتقون اللغتين ويستخدمونهما دائما نشاط عقلي.

ويضيف "مهما كانت اللغة التي يتحدثها الشخص في اللحظة، فكلتا اللغتين تكون حاضرة في شبكة الدماغ الناشطة".

وهذا يعني أن ثنائيي اللغة، بخلاف أحادييها، يحتفظون باللغتين منفصلتين، كأنما يستقبل الدماغ قناتي تلفزة معا بينما ينتبه لواحدة فقط، أي هناك "نظام تحكم تنفيذي" للقيام بذلك، فيركز الانتباه على المهم ويتجاهل التشويش والإلهاء.

تأخر التدهور
وهكذا يُستخدَم نظام التحكم التنفيذي لدى ثنائيي اللغة عند نطق كل جملة، وهذا ما يجعله قويا، على حد قول د. بياليستوك.

ويمثل الاستدعاء المستمر لوظائف هذا النظام تمرينا للعقل، يعتقد الباحثون مثل بياليستوك أنه مفيد للدماغ.

وقد ثبت بدراسات مختلفة أن أداء المتحدثين بلغتين أفضل في مختلف المهام الإدراكية، وقد وجدت دراسة أجرتها بياليستوك أن بداية التدهور العقلي تتأخر بين أربع وخمس سنوات لدى المتحدثين بلغتين خلال حياتهم. وهذا يعني أن شبكاتهم الإدراكية تعطيهم صحة إدراكية أطول لأنها تعززت بثنائية اللغة طوال حياتهم.

ووفق الباحثة بياليستوك، تستند فوائد التحدث بلغتين لأكثر من مجرد "اللياقة العقلية". فهناك دليل أولي على أن ثنائية اللغة تؤثر بتشكيل بنية أجزاء بالدماغ. وهو مجال بحثي جديد، لكن هناك مبررا للتفكير بأن التحدث بلغة أخرى يقود لتغيرات هامة ببنية الدماغ أيضا.

د. سمر محمد : بمجرد تخطي الطفل عتبة اختلاف منطق اللغتين، وتعلمه للغتين، يصبح أكثر ذكاء بسبب اللدونة العصبية التي تزيد عدد الترابطات بين الخلايا العصبية في دماغه، مما يؤدي لزيادة ذكائه

اللدونة العصبية
ومن ناحية أخرى، وفي حديث للجزيرة نت، ميزت أخصائية الطب النفسي بالقاهرة، د. سمر محمد بين التعرّف على اللغة وتعلمها بالنسبة لصغار الأطفال، مشيرة إلى أن التعرف مرتبط أكثر بتشديد المقاطع ونبرة وتعبيرية الصوت.

وتعتقد بدورها أن تعلم لغتين معا ومبكرا يؤخر تعلم الأطفال للغات بسبب تشتت اهتمام الطفل فيما بين قواعد النحو لكل من اللغتين، حيث لا يمثل إدراك مفردات اللغتين صعوبة بحد ذاته، في حين أن منظومة المنطق بالدماغ مرتبطة مباشرة ببنية اللغة ونحوها وقواعد التجريد بها.

وهذا بدوره قد يؤدي افتراضيا إلى إعادة تشكيل أجزاء الدماغ المختصة بأنماط التفكير.

وتقول د. سمر إنه بمجرد تخطي الطفل عتبة اختلاف منطق اللغتين، وتعلمه للغتين، يصبح أكثر ذكاء بسبب اللدونة العصبية التي تزيد عدد الترابطات بين الخلايا العصبية في دماغه، مما يؤدي لزيادة ذكائه.

وهذه اللدونة العصبية هي أيضا السبب الكامن وراء تأخر عته الشيخوخة لدى المسنين المتحدثين بلغتين.

المصدر : الجزيرة