لقد فرض التطور التقني الهائل الذي شهده قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال في العقدين الأخيرين، خاصة مع انتشار الإنترنت، حقائق جديدة على العالم, جعلت الناس يتلاحمون في عالم افتراضي ما فتئت إفرازاته تتحكم شيئا فشيئا في الواقع الإنساني والسياسي والاجتماعي لسكان الكرة الأرضية.

ولعل من أهم إفرازات هذا العالم الذي لا يكاد يستقر على حال ما أصبح يعرف بالشبكات الاجتماعية التي يشترك عبرها ملايين الناس كل حسب اهتماماته وميوله, فما هي هذه الشبكات؟ وما مراحل تطورها؟ وما أهميتها وآفاقها المستقبلية؟

تعريفها
الشبكات الاجتماعية مواقع على الإنترنت يلتقي عبرها أشخاص أو جماعات أو منظمات تتقاطع اهتماماتهم عند نقطة معينة أو أكثر سواء تعلق الأمر بالقيم أو الرؤى أو الأفكار أو التبادلات المالية أو الصداقة أو العلاقات الحميمة أو القرابة أو الهواية أو البغض أو العداوة أو التجارة أو غيرها. 

فهي إذا مواقع إلكترونية توفر لمستخدميها فرصة التلاقي وتبادل المعلومات والآراء والهموم, فتجد بها الملفات الشخصية وألبومات الصور وغرف الدردشة والإعلانات وتبادل الآراء.

ولا يتطلب الانضمام لهذه الشبكات جهدا يذكر, إذ يكفي من يريد استخدامها التسجيل في إحداها أو قبول دعوة أحد مستخدميها ثم اختيار المجموعة التي يرغب في التواصل معها, ليدخل بذلك عالما لا يخلو من إثارة في بعض الأحيان.

ولئن كانت هذه الشبكات مفتوحة في الغالب أمام الجميع, فإننا كثيرا ما نجد مجموعات تتعمد عزل نفسها حسب الجنسية أو العمر أو المستوى التعليمي.. إلخ حتى لو لم يكن ذلك هو قصد المصمم أصلا.

مراحل تطورها
ورغم أن الإنترنت هي أهم وسيلة تواصل عرفتها البشرية في تاريخها, فإن استخدامها كأداة تواصل مباشر بين الناس ظل محدودا إلى أن قام المبرمج خالد مردام بي بابتكار برنامج "mIRC" للدردشة في العام 1995, فاتحا بذلك الباب أمام المستخدمين لتصميم برامجهم وقنواتهم الخاصة بهم.

كما مهد ذلك للمنتديات التي أتاحت فرصة التواصل بين المستخدمين ونشر تعليقاتهم على مواضيع معينة, ومهد كذلك لبزوغ عدد من مواقع الشبكات الاجتماعية شكلت الإرهاصات الأولية للشبكات المذكورة كما نعرفها اليوم.

ولعل أول موقع على الإنترنت يستحق أن يطلق عليه اسم شبكة اجتماعية Classmates.com الذي صممه راندي كونرادز في العام 1995، وكان الهدف منه مساعدة الأصدقاء الذين جمعتهم المدارس والجامعات في فترة معينة من تاريخ حياتهم, قبل أن تفرق بينهم صروف الدهر, في التواصل فيما بينهم من جديد.

ثم جاء موقع الدرجات الست SixDegress.com في العام 1997, ففتح الباب أمام مستخدميه لإعداد قائمة بأصدقائهم وأفراد عائلاتهم والتواصل فيما بين أفراد هذه القوائم وما بينها وبين غيرها.

وتوقف استخدام هذا الموقع في العام 2000 لأنه, كما يقول مصممه, ربما سبق عصره خاصة أن مستخدميه لم تتوفر لدى معظمهم في ذلك الوقت شبكات أصدقاء موسعة على الإنترنت.  

ولئن كان بعض هذه الشبكات سبق تقنية "الويب 2.0" فإنها لم تظهر بشكلها الحالي إلا مع ظهوره, إذ أتاح للأفراد والجماعات البيئة المناسبة للتواصل فيما بينهم عبر العالم الافتراضي.

ومن أهم هذه الشبكات, التي أصبحت تستقطب أكثر من ثلثي مستخدمي الإنترنت وتستغرق 10% من وقت المتصفحين, حسب موقع نيلسون أون لاين (Nielsen Online) مواقع ماي سبيس وفيس بوك ويوتيوب وتويتر وغيرها.

مستقبلها
وتعيش هذه الشبكات اليوم أوج ازدهارها إذ لم تعد تقتصر على الأفراد والمجموعات الضيقة وإنما غدت أداة تستخدمها المؤسسات والدول في السياسة والإعلام والأمن والعلم والاقتصاد, وغير ذلك.

ورغم أنها فعالة في أوقات الطوارئ لسرعتها الفائقة في تعميم المعلومة, فإن بعض المتابعين لشأنها يخشون أن تستغل كذلك للدعاية والتجسس والابتزاز حتى على مستوى الدول.

ولا نبالغ إن قلنا إن انبهار العالم بها لا يزال يعمي الكثيرين عن مساوئها واستشراف مستقبلها, إلا إذا استثنينا بعض الملاحظات والمقالات هنا وهناك.

المصدر : الجزيرة