الصين بهرت العالم بحفل ختام رائع (الجزيرة نت)

عزت شحرور-بكين

ختمت الصين دورة الألعاب الأولمبية بعد حفلين استثنائيين في تاريخ هذه الألعاب حرصت فيهما بكين على استعراض عضلاتها الاقتصادية والبشرية والتنظيمية وتوجتهما بالتربع على عرش الرياضة الدولية بـ51 ميدالية ذهبية، وأسقطت الولايات المتحدة بالضربة القاضية وبفارق كبير تجاوز جميع التوقعات.

ورغم جميع العقبات والعراقيل التي حاولت بعض القوى الدولية زرعها بمسيرة الدورة الأولمبية ورغم الجهود الدؤوبة للصين ومناشدتها عدم تسييس الأولمبياد، فإن السياسة كانت حاضرة دائماً في الدبلوماسية الصينية منذ ما عرف "بدبلوماسية البينغ بونغ" في سبعينيات القرن الماضي التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين بكين وواشنطن.

إن هذا الانتصار الرياضي الصيني الكاسح لا يخلو من رمزية سياسية، فالرمزية جزء أصيل في الوجدان الصيني بل إن مجمل الثقافة الصينية تقوم بالأصل على عشرات الآلاف من الرموز في لغة تصويرية منذ آلاف السنين.

ولا يختلف المراقبون على أن استضافة الصين دورة الألعاب الأولمبية كانت لإرسال رسائل سياسية ولتحقيق أهداف سياسية.

مشهد من حفل الختام (الجزيرة نت)
الصين تدق الطبول
بعد نجاحها في تحقيق نمو اقتصادي ظل طوال العقدين الماضيين يحافظ على وتيرة هي الأسرع في العالم ووصفه المراقبون بأنه أشبه بالمعجزة، وبعد أن أصبحت قوة عسكرية يحسب لها ألف حساب وبعد أن حصلت وبجدارة على بطاقة العضوية في نادي الفضاء، لم يبق أمام الصين إلا أن تعلن عن نفسها كقوة إقليمية ودولية قادمة ولعل هذا ما يفسر هيمنة الطبول والصنوج وكبر حجمها في حفلي الافتتاح والختام.

الصين اضطرت إلى التخلي عن بعض رموزها الثقافية المعروفة مثل التنين بذريعة أنه كائن أسطوري ينفث النار والدمار، وقد يساء فهمه لدى الغرب.

وقد استبدلت به حمامة السلام أو حيوانات واقعية وأليفة مثل الظبي والباندا والسمكة وطائر السنونو تمائم لدورة الألعاب، وكل ذلك يعكس رسالة أرادت الصين ترسيخها وهي أنها قوة واقعية مسالمة.

الإبهار كان حاضرا بكل مراحل الدورة (الجزيرة نت)
تاريخ لا يموت
أما الرمزية الأهم والتي لم يتوقف عندها كثيرون فهي الأسباب وراء اختيار ست مدن أخرى إلى جانب بكين لاستضافة هذه الدورة، وهي شنغهاي وشن يانغ وهونغ كونغ وتشينغ داو وتيان جين وأخيراً تشينغ هوانغ داو.

الصين حددت أولوياتها في الاختيار فهي لم تركز كثيراً على التاريخ ولهذا لم يقع الاختيار على عاصمتها التاريخية الأولى شي آن، وهي كذلك لم تحاول التأكيد على وحدة نسيجها الاجتماعي الذي يضم أكثر من خمسين أقلية قومية رغم القلاقل التي شهدها إقليما التيبت وشينغيانغ فلم يقع الاختيار على مدينة كونمين مثلاً التي تعتبر نموجاً لتعايش العشرات من الأقليات القومية معاً.

الاختيار كانت تحكمه أعباء تاريخية حاضرة على الدوام في الوجدان الصيني، والمطلعون على السلوك الصيني يلاحظون أن التاريخ عندهم لا يموت ويعتبر محركاً رئيسيا لسلوكهم وأن جراحه لا تندمل وتنتقل عبر الأجيال، وأن الصين وفي الوقت الذي تستعد فيه للانطلاق نحو آفاق جديدة للعب دور دولي يتناسب وحجمها البشري والاقتصادي دائماً ما تقع أسيرة لتاريخ من الإذلال الاستعماري يظل يكبلها ويمنعها من لعب أي دور سواء على الصعيد الشخصي أو على الجماعي. 

المصدر : الجزيرة