نساء يسبحن في شتاء بكين القارس (الجزيرة)
 
عزت شحرور-بكين
 
شمس كاذبة لا تبث الدفء ولا تمنح الحيوية وريح صرصر تلسع الوجوه وتنخر العظام رغم كل ما يتدثر به المرء من صوف وفراء. إنه شتاء بكين القارس.
 
تتوقف حركة القوارب السياحية المنتشرة في البحيرات الكبيرة في المدينة وضواحيها وتتحولُ تلك البحيرات والأنهار إلى طرق آمنة للمشي عليها أو إلى ساحاتٍ لممارسةِ رياضةِ التزلج ِعلى الجليد.. علها تبعثُ بعضَ الـِدفْء في هذا الجو البارد.
 
برودة ذلك الأبيض الشفاف في ضاحية يان تشين شمال غرب بكين لا يذيبـُها سوى دِفْءِ علاقة حميمة لبضع عشرات من رفاق قدامىَ بلغ معظمُهم من العمر عتيا... لا تـَجّمعُهم ذكرياتُ حرب التحرير والمسيرة الكبرى التي خاضوها في ظروف أشدَ قـَسوة لإحياء ذكراها بمهرجاناتٍ خطابيةٍ... بل لإحياء الذكرى الثلاثين لتأسيس جمعيتهم "جمعية السباحة الشتوية"، سألنا باستغراب ونحن نرتجف برداً: سباحة.. وفي مثل هذا الجو؟!! رئيس الجمعية دونغ يانغ إي، فأجاب بثقة: بالطبع فكما للصيف حمامات شمس فإن للشتاء حمامات جليد وإذا كان إطفاء النار بالنار حقيقة متبعة فلماذا لا نقاوم البرد بالجليد.
 
منطقٌ لا عيب فيه ولا يخلو من حكمة فإذا كان البرد سبب ألف علة -كما يقال- فلماذا لا نداويه بالتي كانت هي الداء؟ وهذا ما أكده لنا العجوز السبعيني خو يانغ رو الذي يواظب على ممارسة هذه الهواية منذ أكثر من عشرين شتاء: "للسباحة الشتوية فوائد كثيرة فهي تقوي جهاز المناعة وتحمي من الأمراض خاصة آلام المفاصل والروماتيزم لأنها تنشط الدورة الدموية في الجسم"، قالها وقفز في الماء بفرح صبياني، مضيفاً وهو يجدف بيديه: "إنها متعة أيضاً جربها ولن تندم".
 
لم أفعل بالطبع.. لكن لاحظنا أن عدد من يمارسن سباحة الجليد من النساء يبدو أنه يفوق أعداد الرجال خاصة ممن يعتقدن أن جمال الجسم ليس بأثواب تزينه ولكن بحيويته وشبابه.
 
شي منغ خوا سيدة ستينية لكنها تبدو أكثر صبا أكدت كلام زميلها وأضافت السباحة الشتوية ليست تقوي العضلات وتنشط الفكر والذاكرة. أمارس هذه الرياضة منذ عشرة أعوام. ومنذ ذلك الحين صحتي في تحسن لم أذهب إلى طبيب ولم أتناول أي دواء ولم أشك من أي مرض وذهني دائما حاضر. إنها رياضة وصحة وفرح دائم.
 
سباحة الشتاء تحتاج إلى خبرة وممارسة واستعداد (الجزيرة)
التجربة وسؤال الطبيب
بعد أن سمعنا ما قاله المجربون توجهنا لنسأل الطبيب. الطبيب رن جي بياو يراقب السباحين عن كثب وأحيانا يطلب منهم ألا يطيلوا المكث في الماء المتجمد لفترات طويلة حرصاً على صحتهم قال لنا -وعيناه لا تفارقان الماء- "بالفعل السباحة الشتوية رياضة مفيدة فهي تقوي جهاز المناعة وتقي من شر الأمراض خاصة في المناطق الباردة حيث تنتشر بعض الأمراض الموسمية. لكنها ليست كأنواع أخرى من الرياضات فهي تحتاج إلى تعود وخبرة وممارسة واستعدادات نفسية وعملية مسبقة كرش الجسم بالماء رويداً رويدا. أما ما يشاع من أنها تشفي من بعض الأمراض كالروماتيزم مثلا، فما زلنا بحاجة إلى الكثير من الأبحاث والتجارب لإثبات ذلك علميا".
 
ليست سباحة ضد التيار بل ضد المألوف وهي بالإضافة إلى الخبرة والممارسة فإنها تحتاج إلى جرأة إذ لا يفل الجليد إلا قلوب كالحديد. وربما لهذا السبب فإن أعداد المنتسبين إلى جمعية السباحة الشتوية في بكين قد تجاوزوا بقليل ألفي عضو، لكن رئيس الجمعية أعاد السبب في ذلك إلى "صعوبة إيجاد الماء وأحواض السباحة المفتوحة والحصول على تصاريح للأماكن التي يمكن استخدامها وحظر السباحة في الأماكن الممنوعة، لكن الحكومة والمجلس الأعلى للرياضة يوليان أهمية متزايدة لهذه الرياضة. فصحة المجتمع من صحة الأفراد".
 
دعم حكومي إضافي أيضا قد تحصل عليه هذه الرياضة خاصة بعد أن نجح وانغ غانغ إي مؤخراً وهو أحد ممارسي هذه الرياضة في تحطيم الرقم القياسي العالمي في عبور خليج تشانغ تشانغ أمام مركز القطب الجنوبي الصيني قاطعا نحو 1500 متر في 51 دقيقة ومحطما بذلك الرقم القياسي العالمي.
 
قد يظنُ البعضُ أنه جنون. ولكن ما الضير في ذلك إذا كان الجنون فنونا ومتعة وصحة، كما يقول هؤلاء. ومع هذا لا نزال نحن نصر على أن نقول "الدفا عفا ولو في الصيف".

المصدر : الجزيرة