الصورة هي إعادة تصور لشكل حيوان الهيوس الهندي (الجزيرة نت)

مازن النجار

أعلن أستاذ التشريح بكليات الطب والصيدلة في جامعات شمال شرق أوهايو بالولايات المتحدة الأميركية الدكتور هانز ثُويسِن عن اكتشاف الحلقة المفقودة بين الحيتان وأسلافها ذات الأربعة أقدام، وفقاً لما أوردته مصادر هذه الجامعات.

وكان علماء الأحياء منذ شيوع نظرية التطور قد توصلوا إلى أن الحيتان هي ثدييات كانت أسلافها تسير على اليابسة.

وفي العقد ونصف العقد الماضيين تعرف باحثون بقيادة الدكتور ثُويسِن على سلسلة أحافير وسيطة توثق الانتقال "التطوري" المثير من اليابسة إلى البحر. لكن خطوة أو حلقة واحدة كانت مفقودة، وهي هوية أسلاف الحيتان التي عاشت في اليابسة.

ومؤخراً، اكتشف الدكتور ثُويسِن وزملاؤه هيكلاً عظمياً للهيوس الهندي (Indohyus)، وهو حيوان من ذوات الحوافر عاش قبل 48 مليون سنة تقريبا، في إقليم كشمير بشمال شبه القارة الهندية، مشيرين إلى أن هذا الحيوان الأحفوري هو الأقرب إلى الحيتان.

علاقة أسرية وثيقة
وقام فريق الدكتور ثُويسِن بدراسة طبقة من الطمي الحجري تحتوي على مئات العظام للهيوس الهندي، وهو حيوان من الثدييات في حجم الثعلب، ويبدو كصورة مصغرة من الغزلان. ورصد الفريق أوجه الشبه الرئيسة بين الحيتان والهيوس الهندي، خاصة في الجمجمة والأذن، مما يظهر علاقتهما الأسرية الوثيقة.

وكان فريق البحث استكشف أيضاً الكيفية التي عاش بها الهيوس الهندي، وخرج الباحثون ببعض النتائج المفاجئة. فقد حددوا أن عظام هيكل الهيوس الهندي لها طبقة خارجية سميكة، بل أسمك بكثير من مثيلاتها لدى ثدييات أخرى بنفس الحجم.

هذه السمة غالباً ما توجد لدى الثدييات البطيئة في خوض المياه، مثل فرس النهر اليوم. بيد أن العادات المائية للهيوس الهندي قد تأكدت أكثر بواسطة التكوين الكيميائي لأسنانه، والذي كشف عن نسب لنظائر الأكسجين تماثل ذات النسب لدى الحيوانات المائية. كل هذا يعني أن الهيوس الهندي قضى الكثير من الوقت في الماء.

وكان الدكتور والت هورتن، نائب رئيس شؤون الأبحاث بكليات الطب والصيدلة في جامعات شمال شرق أوهايو قال إن هذا اكتشاف بحثي رائع، حيث يظهر أن دراسة بنية وتكوين العظام الأحفورية يمكن أن تكشف كيف تفاعل الهيكل العظمي للحيتان -ولغيرها من الثدييات كالبشر- مع البيئة، وكيف تغير بمرور الزمن.

تطور غامض

"
كان يفترض في السابق أن الحيتان انحدرت من أسلاف أرضية (برية) آكلة لحوم، وربما خمّن بعض الباحثين أن الحيتان أصبحت مائية لتتغذى على أسماك المحيطات
"
وغالباً ما كان يفترض في السابق أن الحيتان انحدرت من أسلاف أرضية (برية) آكلة لحوم، وربما خمّن بعض الباحثين أن الحيتان أصبحت مائية لتتغذى على أسماك المحيطات.

لكن بالنسبة للدكتور ثويسن، من الواضح أن الأمر ليس كذلك، فالهيوس الهندي كان آكلاً للنبات، ولكنه أصبح مائياً بالفعل. ويبدو أن التحول الغذائي إلى صيد الحيوانات، كما تفعل الحيتان الحديثة حالياً، قد جاء في وقت لاحق لانتقالها إلى استيطان البحار والمحيطات.

يعتبر أهل الاختصاص أن تطوّر الحيتان هو أحد أفضل الأمثلة توثيقاً لتطور الثدييات، وأن اكتشاف الدكتور ثويسن يضيف بالفعل قطعة جديدة هامة لحل اللغز. ويقول الدكتور ثويسن إنه لم يكن الكثير معروفاً حول الحيتان المبكرة، حتى بداية عقد التسعينيات الماضية. ثم توالت الاكتشافات في تعاقب سريع.

يذكر أن بعثة أوروبية للتنقيب الأركيولوجي (الآثاري) في الصحراء الغربية بمصر قرب الواحات في أوائل التسعينيات قد عثرت مصادفة على عدد من الهياكل العظمية الأحفورية للحيتان هناك، مما يدل على وصول المياه العميقة للصحراء الغربية في العصور السحيقة.

لكن الجزء الأهم في تلك الاكتشافات أن أحد تلك الهياكل الأحفورية كانت له أربعة أقدام، وهي أول مرة يظهر فيها سجل أحفوري يدل على الأصل البري للثدييات المائية، بعد أن كان ذلك مجرّد نظرية لمدة طويلة. والله أعلم.

المصدر : الجزيرة