الحرس السويسري ما زال بالطقوس نفسها منذ خمسة قرون (الجزيرة نت)

 

ثامر أبو العينين-برن

 

ترتبط الجيوش عادة بأنظمة الحكم، وتتطور طبقا لمتطلبات العصر وتحدياته والدول التي تتبعها، هذه الحقيقة تسري على جميع دول العالم، لكن الاستثناء هو "الحرس السويسري" الخاص بالكرسي البابوي في الفاتيكان، الذي يحتفل هذا الشهر بذكري مرور 500 عام على تأسيسه.

 

من يسمع قرع الطبول وأجراس الكنائس والأبواق الصادحة في سويسرا والفاتيكان يوم الأحد 22 يناير/كانون الثاني الماضي، يعتقد أنه جيش جرار، لكنه في الحقيقة لا يزيد عدده عن 110 جنود، أي أنه أقدم وأصغر جيش في العالم، يواصل مهامه حتى هذا اليوم بنفس الأسلوب الذي بدأ به منذ 22 يناير/كانون الثاني من عام 1506.

 

من القرون الوسطى

لعل من زار الفاتيكان أو رأى صور البابا هناك في المقابلات أو التحركات الرسمية، لاحظ وجود حرس بملابس تقليدية وسلاح من العصور الوسطى، وهم أفراد فرقة عسكرية تتولى مهمة حراسة الكرسي البابوي منذ خمسة قرون كاملة أو بمعنى آخر هي "جيش الفاتيكان" الذي يراقب المرور منه وإليه.

 

ويذكر التاريخ أن البابا يوليوس الثاني هو أول من طلب أن يتولى جنود سويسريون حراسته لثقته في كفاءتهم التي أكدتها مشاركاتهم في جيوش أوروبية أجنبية كثيرة، بحثا عن عمل وهربا من الفقر المدقع الذي كانت تعيش فيه سويسرا آنذاك.

 

عدد جنود الحرس السويسري 110 يحرسون الكرسي البابوي (الجزيرة نت)
بطولات كثيرة

وقد أثبت الحرس السويسري بطولات كثيرة في حماية عرش الفاتيكان، أولها كان إنقاذ حياة البابا كليمون السابع في عام 1527 من مؤامرة اغتيال تعرض لها من تحالف جنود ألمان وإسبان بأمر من القيصر كارل الخامس، ودفع 147 جنديا سويسريا حياتهم ثمنا لحمايته.

 

دون هذا الحادث إخلاص وأمانة الحرس السويسري, وأصبح الاحتفال بذكراه في السادس من مايو/أيار من كل عام رمزا لبطولة جيش الفاتيكان "السويسري".

 

وعزز حياد سويسرا مكانتهم لدى الكرسي البابوي، فحرصت الكنيسة الكاثوليكية على الإبقاء عليهم، رغم قرار البابا باول السادس في عام 1970 بالاستغناء عن قوات مختلفة كانت مخصصة لحماية الدويلة، ثم قلص البابا السابق يوحنا بولص الثاني عددهم إلى 110 فقط، يقومون بمهام حرس الشرف ومراقبة القصر البابوي وحماية البابا بشكل خاص، وهو ما أثبته الحرس السويسري مع الباب يوحنا بولص الثاني، الذي تعرض لمحاولة اغتيال في 14 مايو/آيار 1981 على يد شاب تركي، لولا رد فعل الحرس السويسري السريع الذي أنقذ حياته.

 

الفصل الغامض

الفصل الغامض في تاريخ الحرس السويسري في الفاتيكان الذي لم يكشف عنه إلى اليوم، هو انتحار الجندي سيدريك توماي بعد أن قتل زميله ألويس إسترمان وزوجته غالديس روميو في مايو/آيار 1998، حيث أغلق الفاتيكان باب التحقيق رغم وجود عديد من علامات الاستفهام التي من المفترض أن تحفز أي محقق جنائي على مواصلة البحث.

 

ويجب على الراغب في العمل في "جيش الفاتيكان" أن يكون سويسريا مسيحيا كاثوليكيا أعزب وقت الالتحاق بالخدمة، ويتراوح عمره بين 19 و30 عاما ولا يقل طوله عن 174 سم , ويكون حسن المظهر، ويلتزم بالعمل في الحرس لمدة لا تقل عن عامين، على أن يكون أنهى الخدمة العسكرية الأولية في الجيش السويسري.

 

وتشجيعا للشباب على الالتحاق بهذه الخدمة التاريخية، يمكنهم مواصلة دراستهم أثناء الخدمة للحصول على شهادة في الكمبيوتر ودبلوم كخبير أمني، يمكن أن تفتح لهم أبواب عمل مختلفة إذا تركوا الخدمة.

 

احتفال سويسرا بهذا "الجيش" غير العادي كان متميزا، فقد حضر وزير الدفاع صامويل شميد قداسا في كاتدرائية فريبورغ يوم الأحد الماضي، ثم كرم الحرس نيابة عن الحكومة الاتحادية.

 

كما أصدرت الحكومة الاتحادية طابعين تذكاريين وعملة ذهبية بهذه المناسبة، إلى جانب مسيرة دينية في بلينزونا الجنوبية واحتفال في لوتسرن وسط سويسرا وعشرات الأفلام والأشرطة التسجيلية والوثائقية والهدايا التذكارية.

 

ورغم أن دستور سويسرا يمنع عمل الجنود خارج الحدود، ويعترف بالحرس السويسري في الفاتيكان كوحدة شرطة خاصة في مهمة خارج الحدود, فإن الفاتيكان تعترف به كجيشها.

 

عدد جنوده لا يتجاوز 110 أشخاص، لكن دقت له الطبول ونفخت له الأبواق في الفاتياكان وسويسرا في ذكرى تأسيسه، وكأنه أقوى جيوش الأرض.

ــــــــــــــ

مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة