مازن النجار

أكدت دراسة جديدة أهمية استعادة مستويات الكربون في التربة الزراعية المتدهورة من أجل تأمين إمدادات الغذاء العالمية ومنع حدوث تغيرات شاذة في أنماط المناخ.

جاء ذلك في دراسة للدكتور رتان لال أستاذ المصادر الطبيعية ومدير مركز إدارة وخزن الكربون بجامعة أوهايو (كولومبس) الأميركية نشرتها مجلة ساينس في عدد العاشر من يونيو/حزيران الحالي.

يقدر العلماء أنه منذ بدء عصر المكننة الزراعية قبل بضع مئات من الأعوام فقدت التربة نحو 78 مليار طن من الكربون الذي كان مخزونا فيها، متحولا إلى غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو والذي يتسبب بدوره في ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض وتغير أو اضطراب أنماط المناخ.

فتحويل منظومات البيئة الطبيعية إلى مراع أو حقول زراعية لإنتاج المحاصيل يؤدي إلى استنفاد المحتوى الكربوني للتربة بنسبة 75%، كما أن كمية الكربون التي تطلقها عمليات الأنشطة الصناعية إلى الجو تزداد كل عام وبشكل مطرد.

ومع تناقص محتوى الكربون في التربة تتناقص كفاءة إنتاج المحاصيل. كما أن تدهور مستويات الكربون في التربة عالميا ينذر بأخطار حقيقية، خصوصا في جنوب الصحراء الأفريقية وآسيا الوسطى وإقليم الكاريبي وإقليم الإنديز في أميركا الجنوبية.

ويدعو الدكتور رتان لال إلى "ممارسات إدارية مدروسة" لزيادة أو الحفاظ على مستويات الكربون في التربة المزروعة، منها ترك جزء من محصول الموسم الماضي في الأرض المزروعة، وزراعة أشجار أو نباتات في أرض المحاصيل أو حولها لتعزيز جودة التربة مما يحميها من التآكل خلال مواسم الاستنبات، واستعمال مغذيات التربة الطبيعية كسماد الحيوانات (البلدي) أو المخصبات المركبة للمحاصيل. وقد ثبت بالدليل التجريبي أن اتباع هذه الممارسات المدروسة قد أدى إلى زيادة ملموسة ومستدامة في إنتاج المحاصيل.

واستشهد مؤلف الدراسة بتجربة زراعية في كينيا عمرها 18 سنة. فقد زرعت حقول بطريقة اعتيادية بحيث لم يترك في الأرض أي جزء من محصول الموسم الماضي ولم تستخدم مخصبات التربة، وتركت الأرض عارية من النباتات في غير مواسم الاستنبات، فكان معدل الإنتاج طنا واحدا من الذرة أو الفاصوليا لكل هكتار.

أما الحقول التي عولجت بالسماد البلدي وزرعت بالمحاصيل التي توفر غطاء طبيعيا وغطيت بطبقة من المهاد (النشارة أو التبن)، فقد أعطت ستة أمثال ما أعطته الحقول المزروعة اعتياديا من محصول. وهذه هي القفزة الكمية في نتاج المحاصيل اللازمة على المستوى القاري لضمان الأمن الغذائي في جنوب الصحراء الأفريقية. ولكي تحتفظ التربة بالماء والمغذيات الطبيعية وتنتج محاصيل بكفاءة عالية، فإنها تحتاج إلى ما يكفي من الكربون.

لكن إزالة بقايا المحصول بالكامل من الأرض لاستعماله كعلف للحيوانات أو كوقود هي الممارسة السائدة في كثير من بلاد أفريقيا وآسيا، وهذا بدوره يخفض مستويات الكربون في التربة بنسب عالية. ولن يكون ممكنا تحقيق الأمن الغذائي عالميا بدون إعادة بقايا المحصول إلى الأرض، ووضع ما يكفي من الكربون في التربة مرة أخرى. فكلاهما ضروري لتحسين جودة التربة.

وتخلص الدراسة إلى أن خزن الكربون في التربة يمكن أن يوازن الأضرار الناجمة عن عوادم الوقود الحفري (الفحم والنفط) في البيئة بنسبة تتراوح بين 5 و15% سنويا.

وبالإمكان خزن ما يقارب مليار طن من الكربون في التربة سنويا، وهذا يعادل الطاقة المتجددة التي أنتجت عالميا خلال العام 2001. فخزن الكربون في التربة إستراتيجية هامة لتخفيف حدة التغيرات المناخية التي لا يمكن تجاهلها أو المبالغة فيها.
__________________
المحرر العلمي-الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة