مازن النجار- وليد خليل الشوبكي/ القاهرة

دفقة الضوء داخل البلورة الفوتونية (الجزيرة)

تمكن باحثان في جامعة ستانفورد من وضع نموذج رياضي لصنع رقائق حواسيب قادرة على تخزين الضوء. وتعد هذه أول محاولة ناجحة لـ"تجميد" الضوء في ظروف الحرارة والضغط العادية.

ويُنتظر أن تكون لهذه الرقائق الضوئية آفاق واسعة ما أن يتم صنع النموذج الأولي منها خلال عام، وذلك في مجالات متعددة أهمها الحوسبة الضوئية light computerization.

والمعروف أن السرعة الهائلة للضوء أدت إلى استخدامه بمجال الاتصالات، فالألياف الضوئية optic fibers تنقل الإشارات المعلوماتية بسرعة كبيرة بين الأجهزة عبر آلاف الأميال، غير أن هذه العملية تتباطأ كثيرا بعد دخولها لأجهزة الحاسب لأنه يجب تحويلها من صيغتها الضوئية إلى نبضات كهربية تنتظر دورها حتى يبدأ المعالج في التعامل معها، فإذا ما تم ذلك وحان الوقت لتوجيه الإشارات إلى جهاز آخر، يتم تحويلها مرة أخرى إلى نبضات ضوئية لإعادة إرسالها وهكذا مما يهدر الكثير من الوقت والجهد.

الباحث محمد الفاتح يانق (الجزيرة)

وتقوم فكرة فريق البحث بجامعة ستانفورد: شانهوي فان (صيني) ومحمد الفاتح يانق (تركي) على أنه للحصول على عملية حوسبة ضوئية كاملة فائقة السرعة وقليلة التكلفة، لابد من صنع مكونات قادرة على إرسال واستقبال الإشارات الضوئية والتعامل معها مباشرة بدون تحويلها إلى نبضات كهربية.

وهذا لن يحدث إلا إذا تم التوصل لرقائق (حاسوبية) لديها القدرة على تخزين أو بالأحرى إبطاء الإشارات الضوئية بالقدر الذي يسمح للحاسوب بالتعامل مع هذه الدفقات المعلوماتية الضوئية تباعا وبشكل متسق مع تتابع وصولها.

ويعتمد النموذج الرياضي الجديد لتصميم الرقائق القادرة على تخزين الفوتونات (وحدات طاقة متناهية الصغر يتكون منها الضوء) على استخدام البلورات الفوتونية. والبلورة الفوتونية تتكون من السيليكون وبها ثقوب ضوئية ميكروسكوبية على مسافات منتظمة، ولديها القدرة على "ثني" مسار فوتونات الضوء عندما تمر بها، وبحيث تبطئ سرعة الضوء إلى 10 سنتيمترات في الثانية (مقارنة بالسرعة الأصلية 300 كلم/ ثانية) وهذا الإبطاء يتيح للدفقات الضوئية أن تنتظر إلى أن يتم التعامل معها مباشرة أو إعادة توجيهها دون تحويلها إلى نبضات كهربية.

الباحث شانهوي فان

الجديد في بحث شانهوي ويانق أمران: أولا أنه يتحدى الفكرة السائدة بأنه لا يمكن إبطاء الضوء إلا بمقدار ضئيل للغاية يكاد لا يذكر، ثانيا أنهما يستخدمان الثقوب الضوئية المايكروسكوبية في بلورة سيليكون، وفي درجة الحرارة العادية، وليس كما فعل الباحثون السابقون الذين كانوا يسعون خلف نفس الهدف، بتمرير الضوء في غازات بالغة السخونة أو البرودة.

جدير بالذكر أن أول من تمكن من إبطاء الضوء كانت الباحثة ليني هاو من جامعة هارفارد باستخدام "سحابة" بالغة البرودة من ذرات الصوديوم.

وقد علق محمد يانق على ذلك في مقاله الذي نشره بمجلة إيكونوميست Economist يوم 6 مارس/ آذار الماضي بقوله "ربما كان ذلك كشفا علميا رائعا ولكنه بلا فائدة عملية"، لأنه لا يمكن الاستفادة منه في الظروف العادية.

وسيسعى الباحثان لإثبات فكرتهما بتصميم رقائق لإيقاف موجات المايكروويف microwaves، لأن خصائصها تقارب خصائص موجات الضوء.. ولكن التعامل معها أبسط من التعامل مع موجات الضوء.

وخلال عام سيقدم الباحثان نموذجا مبدئيا لتلك الرقائق، ويتوقعان أنه سيكون من الممكن إنتاجها عمليا خلال 5 أعوام، وهي مدة تمويل أبحاثهما من قبل الحكومة الأميركية وجامعة ستانفورد.

غير أن الأبحاث في هذا الاتجاه ليست مقصورة على تلك التي تمولها الجامعات والحكومات، فشركات التكنولوجيا تستبق الخطى كذلك، مثلما فعلت شركة (Hewlett Packard) التي خصصت قسما كاملا في إدارتها البحثية لهذا المجال (Quantum Research) وعينت فيه أحد باحثي رقائق الضوء هو محمد الفاتح يانق.

وسيفتح مثل هذا الاختراع آفاقا جديدة وواسعة أمام "تجميد" أنواع أخرى من الموجات المشابهة للضوء، مثل الموجات فوق الصوتية، وربما موجات الجاذبية، كما يقول يانق، وهذا بدوره يعني آثارا هائلة طبيا وتكنولوجيا، وآفاقا جديدة للحوسبة الضوئية يصعب تخيل مداها الآن.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة