عبد الله العالي-باريس
 
تظاهر عشرات الآلاف، أمس الخميس، في باريس وفي مدن فرنسية أخرى احتجاجا على سياسات الحكومة الاشتراكية التي تتهمها النقابات اليسارية بانتهاج "سياسات يمينية" قائمة على تقليص الإنفاق وزيادة الضرائب.
 
ورفع المتظاهرون -الذين بلغ عددهم وفق إحدى النقابات ثلاثمائة ألف في عموم البلاد- لافتات تطالب بإنهاء تجميد أجور الموظفين العامين ومعاشات التقاعد والمنح الاجتماعية، كما دعوا حكومة رئيس الوزراء إيمانويل فالس لاستحداث وظائف جديدة بالقطاع العام والعدول عما سموه "محاباة" أرباب العمل.
 
وقد انطلقت المسيرة الباريسية من ساحة إيطاليا بجنوب المدينة، وجابت شوارع رئيسية فيها قبل أن تنفض بميدان لوزينفاليد بقلب المدينة، وردد المحتجون عبر مكبرات للصوت شعارات مناوئة للحكومة وأناشيد من التراث النضالي للحركة العمالية الفرنسية.
 
فيليب مارتينز: سياسات التقشف الحكومية مجحفة (الجزيرة)
وطأة التقشف
وقال فيليب مارتينز، الأمين العام للكونفدرالية العامة للعمل، وهي أكبر النقابات الفرنسية، إن الإضراب أملته "خيبة أمل العمال من إجراءات التقشف التي ينتهجها الرئيس فرانسوا هولاند وحكومته" مؤكدا أن "تلك السياسات ظالمة لأنها تحابي أرباب العمل على حساب الطبقة العاملة والشرائح الاجتماعية المتوسطة والفقيرة".

وفي تصريحات للجزيرة نت، أوضح المسؤول النقابي -الذي كان يتصدر المسيرة مع قادة ثلاث نقابات أخرى- أن السلطات خصصت بالسنتين الأخيرتين أكثر من أربعين مليار يورو لتخفيف تكاليف التوظيف على الشركات المحلية وتعزيز قدرتها التنافسية، دون أن يتمخض عن ذلك أي تقليص للبطالة التي يتجاوز معدلها حاليا 10% وفق قوله.

وأضاف مارتينز أن حكومة فالس تعهدت بالمقابل بتقليص الإنفاق العام بخمسين مليار يورو (نحو 54 مليار دولار) خلال ثلاث سنوات، مؤكدا أن ذلك سيفضي إلى الإضرار بوضع العاملين بالقطاع العام وإلى زيادة الضرائب على الأفراد.

وانتقد المسؤول النقابي بشدة تشريعا أعده وزير الاقتصاد إيمانويل ماكرون يسمح بزيادة ساعات العمل في الليل والعطل الأسبوعية، معتبرا أنه يمثل اعتداءً على "مكتسبات العمال".

من جانبه، أعرب زعيم حزب اليسار جان لوك ميلانشون عن سعادته بما سماه "النجاح اللافت" للمظاهرة، مشددا على أنها أوضحت رفض الشعب لسياسات التقشف التي وصفها بأنها "غير مجدية".

ميلانشون: بعض الأوساط السياسية ركزت على القضايا الدينية والعرقية لتبرير فشلها (الجزيرة)

المسألة الاجتماعية
ومنذ سنة 2009، استطاعت فرنسا تقليص عجز موازنتها العامة من 7.5% لـ4.2% عملا بمقتضيات "ميثاق الاستقرار والنمو" الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 1997 بهدف دفع أعضاء منطقة اليورو النقدية لتحقيق توازن بين النفقات والإيرادات العامة.

ومن أجل بلوغ هذا الهدف، عمدت الحكومات المتعاقبة منذ ذلك التاريخ إلى تجميد رواتب الموظفين ومعاشات التقاعد والمنح الاجتماعية.

ويبرر ميلانشون تشكيكه في نجاعة تلك السياسات الحكومية بكونها لم تحفز النمو الاقتصادي الذي لم يتجاوز السنة الماضية 0.4%، كما لم تقلص مستوى الدين العام الذي يتوقع أن يصل السنة الجارية إلى 98% من الناتج المحلي الاجمالي.

ويرى الزعيم اليساري أن "الحشد الشعبي الكبير" الذي شهدته فرنسا أمس "أعاد للمسألة الاجتماعية مركزيتها" مشيرا إلى أن أوساطا سياسية محلية حاولت بالسنوات الأخيرة صرف نظر الجمهور عن إخفاقاتها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

وأشار إلى أن ذلك تم من خلال التركيز على "قضايا ذات طابع ديني وعرقي" بإشارة للحديث المتكرر عن التهديد المزعوم الذي تمثله الجالية العربية الاسلامية لنظام البلاد العلماني و"هويتها" الوطنية.

المصدر : الجزيرة