لبيب فهمي-بروكسل

بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على هجمات باريس، ما زالت قضية مكافحة ما يسمى الإرهاب على رأس جدول أعمال جل المسؤولين الأوروبيين واجتماعات المؤسسات الأوروبية: المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي. وقد سرعت هذه الهجمات اعتماد مجموعة من الاتفاقات الأمنية، وعلى رأسها إنشاء سجل بيانات للركاب.

فبعد سنوات من النقاش بين الحكومات والبرلمان الأوروبي، قبل النواب مباشرة بعد هجمات باريس يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 -وبإلحاح من الحكومات الأوروبية خصوصا الفرنسية- بضرورة اعتماد قاعدة بيانات تحمل معلومات عن المسافرين على متن الرحلات الجوية مع إمكانية الاحتفاظ بها لمدة ستة أشهر.

ويرى وزير داخلية فرنسا برنارد كازنوف أن الإرهابيين يسافرون على متن الخطوط الداخلية الأوروبية "وعلينا تتبع عودتهم لتفادي المخاطر الإرهابية".

 كيركهوب: سجل بيانات الركاب أداة فعالة لمكافحة الإرهاب (الجزيرة)

وفي سياق متصل، قال للجزيرة نت النائب الأوروبي المحافظ تيموتي كيركهوب -الذي سهر على المفاوضات باسم البرلمان الأوروبي- "يسرني جدا أن المجلس الأوروبي وافق على الاقتراح الذي قدمته في وقت سابق من هذا الأسبوع، لا يمكننا الانتظار أكثر لإنشاء هذا النظام".

وقال "إنه اتفاق جيد سيكون أداة فعالة لمكافحة الإرهاب والجرائم الخطيرة، وهو اتفاق متوازن ويتناسب مع المخاطر التي نواجهها".

وكان العمر الافتراضي للمعلومات المسجلة بهذه البيانات أحد المواضيع الخلافية، فبينما كان البرلمان يدافع عن مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما كانت الحكومات تطالب بفترة تصل إلى سنة قبل التوصل لاتفاق يحدد مدة الاحتفاظ بالمعلومات بستة شهور.

انتقادات
ولاحظ الخبير بالشؤون الأوروبية سيدريك فاليه أن الاتفاق المذكور غامض، وقال "يعد هذا النوع من النصوص القانونية غامضا جدا لأنه يحاول أن يجد نقطة توازن بين التدابير الأمنية واحترام الحقوق الأساسية، بدءا من الحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية".

وأضاف بتصريح للجزيرة نت أن هذه البيانات تضم "معلومات عن المكان الشاغر بالطائرة وطريقة الدفع ووزن الأمتعة ومدة السفر، وأحيانا اسم الفندق أو أسماء الأشخاص المسافرين معا. بل وفي بعض الحالات، يتم أيضا سرد البيانات الطبية، كالسفر في كرسي متحرك مثلا، أو معلومات عن النظام الغذائي للمسافر، كما يمكن لشركات الطيران أيضا إضافة تعليقات حرة عن المسافر".

وأشار إلى أن هذا يطرح العديد من المشاكل، إضافة إلى أن تلك البيانات تشمل في بعض الأحيان عناصر ليست دقيقة، كما يشدد فاليه.

وفي السياق نفسه، قال عضو وكالة الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي ماريو أوتيمير للجزيرة نت "هذا النظام انتهاك كبير للحقوق الشخصية. والسؤال الأساسي: هل نحن بحاجة إلى جمع البيانات بهذه الكثافة لمكافحة الإرهاب".

وهو السؤال الذي لم يتردد في طرحه المدير التنفيذي لمركز أبحاث أيضا إميليو دي كابيتاني بقوله "ما هو واضح هو أن الجمع العشوائي للبيانات هو شكل من أشكال المراقبة المعمم. وهو أمر يمكن أن يكون فعالا ولكن في حالات نادرة وبضوابط. ففي الديمقراطية، المواطنون هم الذين يراقبون المؤسسات وليس العكس".

وفي ظل الوضع الأمني الذي يخيم على مجموعة من العواصم الأوروبية بعد هجمات باريس، يستبعد أن يتراجع الأوروبيون عن اعتماد التشريع الخاص بإنشاء سجل بيانات للركاب، رغم إجماع الحقوقيين على انتهاكه الصارخ للحقوق الأساسية للمواطنين.

وقالت الخبيرة بالشؤون الأوروبية أنا بيسونيرو، للجزيرة نت "من المتوقع أن يصوت على الاتفاق يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول (الجاري) من قبل لجنة الحريات المدنية والعدل والشؤون الداخلية بالبرلمان الأوروبي".

وبعد ذلك، يتم وضع مشروع التوجيه للتصويت عليه في جلسة عامة بالبرلمان أوائل 2016 قبل أن يوافق عليه رسميا من قبل مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الدول الأعضاء ستعتمد بعد ذلك التشريع بقوانينها الوطنية ليدخل حيز التنفيذ في غضون سنتين.

المصدر : الجزيرة