للوهلة الأولى، فإن العرض الذي بدا شائناً الآن لـ"طائرة الأحلام" 787 بواسطة بوينغ، كان حدثاً خُطِّط له بدقة على ما يبدو. لقد كان حدثاً جيد التخطيط على نطاق عالمي، حشود ضخمة وطقس رائع، وكان المذيع الأميركي الشهير توم بروكاو هو مقدم الحفل، حتى اليوم تم اختياره بعناية، 8 يوليو/تموز 2007، بالنسبة لأولئك الموجودين في الولايات المتحدة.

يقول الحاكم السابق لولاية واشنطن، كريستين غريغوير، والذي كان يجلس في الصف الأمامي مع قادة الشركة "ليتك كنت تجلس معي هناك لترى مشاعر الفخر ووجوه أولئك الفنيين والمهندسين، كان يوماً مدعاة للفخر بحق".

وجهت بوينغ الدعوة إلى محلل صناعة الطيران ريتشارد أبو لافية وزوجته، "كان مشهداً رائعاً وحفلة مذهلة عقب ذلك، إنها واحدة من اللحظات المحورية في تاريخ الصناعة الأميركية، كان شعوراً عظيماً أن تكون هناك في ذلك الوقت".

وعندما حانت اللحظة الحاسمة، لم يخيِّب ضيف الشرف "دريم لاينر" الآمال، إذ يقول مراسل جريدة سياتل تايمز المختص بشؤون الطيران، دومينيك جيتس، "لقد فتحوا أبواب مبنى التجميع العملاق، وكانت الطائرة قابعة هناك في الشمس، وجميعنا اتجه نحوها وقام بلمسها".

كانت تلك النظرة الأولى للجمهور على الطائرة 787. وبالنسبة لمعظمنا، بدت مكتملة، على الأقل للوهلة الأولى.

مجرد هيكل فقط
يقول جون أوسترور الذي يعمل الآن في صحيفة وول ستريت جورنال "ما تحققت منه عندما طُفتُ حولها هو أن بإمكانك أن تنظر إلى العجلات، وأن ترى ضوء النهار يتسلل من خلالها عبر المقصورة، وعندما أمعنت النظر في الصور لاحقاً تبين لي أن الأبواب مصنوعة من الخشب الرقائقي. كانت الطائرة لم يكتمل نصفها بعد".

في ذلك الوقت، كان أوسترور -المدون الصغير المعني بمجال الطيران- يعمل لصالح مجلة فلايت إنترناشونال، ولم تتح له فرصة حضور الحفل مع بقية وسائل الإعلام، وإنما كان ضيفا لأحد المهندسين العاملين في الشركة وكان معجباً بمدونته. وبينما كان المراسلون الآخرون منهمكين بكتابة أخبارهم، كان أوسترور معنياً أكثر بتفقد الطائرة، فيقول "خلال تلك الساعة، أتيحت لي الفرصة كي أدرسها جيداً،  فدون أي مرافقة أو مضيفة أو ما شابه، وجدت نفسي أدقق في تفاصيلها، ولم تكن قد اكتملت".

فالطائرة التي كان من المقرر لها أن تبدأ رحلاتها في غضون شهرين لم تكن قد اكتملت تقريباً، لقد كانت تقارير أوسترور هي التي مهدت الطريق لكشف ما يحدث بالفعل مع "دريم لاينر".

إذا ما أمعنت النظر في الصور والفيديو، يمكنك أن ترى الضوء ينفذ من ثنايا نوافذ الركاب إلى داخل الطائرة ويكشف عن عدم وجود مقصورة قيادة الطائرة، وعدم وجود حاجز يفصل المقصورة عن حجيرة الركاب.

بالنسبة للعاملين، كانت المشاكل واضحة "نعرف أن الطائرة لم تكن أكثر من هيكل ولا تزال فارغة، ولذلك فبالنسبة لنا، كان الأمر أشبه بعرض شيء لم ينته بالفعل، إذ لم تكن الطائرة جاهزة"، بحسب تعبير شانون ريكير، الميكانيكي في بوينغ.

يقول كيفن ساندرز، وهو موظف في الشركة لثلاثين عاماً، "أي شخص -حتى الهاوي- كان بإمكانه أن يسير داخلها ويكتشف، حسناً لم يكن بإمكانهم السير داخلها لأنها لم يكن فيها حتى ألواح أرضية للوقوف عليها، لكن حتى لو استطاع أن يسير داخلها، كان سيكتشف عدم وجود أي أنظمة، لم تكن توجد أنظمة تحكم بيئي، ولا توصيلات سلكية أو هيدروليات أو أنابيب مياه، لم يكن هناك شيء".

التفكيك إلى أجزاء
يقول المهندس السابق في بوينغ، ستان سورشير، الذي رأى الطائرة قبل أن تبدأ رحلتها الأولى بقليل: "أي شخص ينظر إلى الطائرة سيعرف أن هذا الشيء لا يمكنه الطيران،  فهو خاو من الداخل".

داخل المصنع كان هناك تدافع لإنقاذ الموقف، فلم تكد تمر ساعات من حدث النشر، حتى تم تفكيك الطائرة إلى أجزاء، يقول أوسترور "كل لوحة تم فكها من الطائرة: عجلات الهبوط، ثم الذيل، كان تدافعاً جنونياً وهرولة محمومة للرحلة الأولى".

فطراز الأعمال 787 صمم لتوفير أموال بوينغ، وإذا به يأتي بنتائج عكسية، فكثير من الأجزاء كانت تفد من مئات الموردين العالميين إما غير مكتملة أو غير صحيحة، ولم يستطع العاملون في إيفيرت تجميع أجزاء الطائرة بالشكل الملائم.

يقول سورشير، وهو الآن ممثل للعمال لدى اتحاد مهندسي بوينغ، "عندما وصلت مقاطع الأنابيب، لم يكن بها أي شيء، لأن المورد لم يضع فيها أي شيء، لم يكن بها مشبك أو كتيفة أو سلك أو موصل، لم يكن هناك أي شيء، ولذلك احتاجت أول طائرة أن تبقى في موضعها الأول على خط التجميع لمدة 15 شهرا، لأنه كان يلزم أن يقوم شخص ما برصد كل تلك العيوب".

استغرق الرصد وقتا طويلا، وكان حلم الطيران في غضون شهرين، مجرد "حلم".

تأجيلات
يقول دومينيك جيتس من صحيفة سياتل تايمز "تلقينا أول تأجيل وكان لمدة ستة أشهر، واعترافاً بأن الأمور لا تسير على ما يرام. ومنذ ذلك الحين والأمور تنتقل من سيئ إلى أسوأ".

"يتعين أن تفهم أن هذا الأمر لم يحدث من قبل، لم يحصل أي تأخير من جانب بوينغ لأحد برامجها قطّ. لم تتأخر أي طائرة عن موعد انتهاء تطويرها من قبل".

وقلما كان يوجد من بين الحضور في ذلك اليوم من بإمكانه أن يتنبأ بما سيحدث لاحقاً، سنوات من التأخير، وإحراج عام، ثم لاحقاً أول أسطول في تاريخ بوينغ يتم تجميد عمله.

بالنسبة لأولئك الذين شاهدوا العرض المذهل، تبقى هناك أسئلة: كيف يمكن للمديرين التنفيذيين في الشركة عرض الطائرة بهذه الضجة؟ ألم يكونوا يعلمون أنها لم تصل لمرحلة الطيران بعد؟

انفصال تام
يقول أبو لافية "هناك استنتاجان يمكن للمرء أن يفكر فيهما، لديك مديرون تنفيذيون وهما إما يكذبون، وفي هذه الحالة فهم يرتكبون حماقة كبيرة، لأنه سيتم اكتشاف كذبهم بعد شهرين؛ أو أن هناك انفصالا تاما بين الأشخاص الذين يعملون في الطائرة، أي المهندسين والمديرين التنفيذيين الذين يطلقون هذه التصريحات. وللأسف، أعتقد أن الاستنتاج الثاني هو الأرجح، لم يكونوا يكذبون، بل ببساطة لم يكونوا على دراية بالأمر".

ولكن لم يكن الجميع على استعداد للسماح للمسؤولين التنفيذيين -وعلى الأخص الرئيس التنفيذي جيم ماكنيرني- بادعاء الجهل، ويقول ساندرز "حسنا، فهو إما أحمق أو أنه يكذب، وأنا لا أعتقد أنه أحمق".

ويقول سورشير "لا يهمني إن كان كاذبًا أو أحمق، وعلى أية حال، فإنه ليس الرجل الذي ينبغي أن يدير الشركة، ويجب طرده على أية حال، وإلحاق العار به".

قد يحكم التاريخ على العرض بأنه كان بمثابة ومضة على شاشة، أي منتج ثانوي غير مواتٍ لحملة تسويقية مفرطة في الحماس، ولكن في حالة استمرار مشاكل الطائرة فإن الاحتفال قد يُشير إلى شيء أكبر، شيء يدل على بوينغ الجديدة التي تهتم بتسويق الأحلام أكثر من الحقائق الهندسية.

وينتاب البعض القليل من الشك في ذلك، ويقول ساندروز "لقد اتضح لي من العرض إلى أي مدى تدهورت الشركة، فعلاوة على كونه أكبر من أي حدث فردي آخر، فإنه كان كذبة كبيرة وتصريحًا بأن شركة بوينغ لا تعدو أن تكون الآن أكذوبة كبيرة".

وطرحت الجزيرة الأسئلة التالية على بوينغ بشأن عرض يوليو/تموز 2007:

- الجزيرة: أي تعليق على التصريح بأن الطائرة المستخدمة في عرض 2007 لطائرة الأحلام كانت هيكلاً أو وهماً؟ هل كان يعرف المسؤولون التنفيذيون ببوينغ في ذلك الوقت أنها كانت مجرد هيكل؟

- بوينغ: تناولت الشركة هذه الأسئلة علنًا منذ سنوات ولن نضيف أكثر من ذلك.

- الجزيرة: ذكرتم أن الأسئلة المتعلقة بعرض 2007 تناولتها بوينغ علنًا منذ سنوات، ولكننا لم نتمكن -حسب علمي- من العثور على أي بيانات صحفية أو مقابلات مع بوينغ، فهل ترشدنا إلى ما قالته بوينغ بخصوص هذا الأمر، وتوفر لنا بشكل مثالي نسخة من أي بيانات صحفية أو بيانات عامة تم إصدارها في هذا الوقت فيما يتعلق بتلك الادعاءات؟

ووفرت شركة بوينغ رابطين إلى المقالتين التاليتين ردًا على ذلك:

‎http://seattletimes.com/html/businesstechnology/2003845766_787assembly21.html‎

‎http://www.flightglobal.com/blogs/flightblogger/2007/08/boeing_faces_hurdles_opportuni/‎

 

 ‎LINK TO FULL BOEING RESPONSES, BYLINE KEVIN HIRTEN PLUS HIS TWITTER HANDLE @KDHIRTEN.‎ .

المصدر : الجزيرة