"صناديق الأطفال" استقبلت أكثر من 400 رضيع منذ سنة 2000 (غيتي)

قد تجدها في مداخل الكنائس أو المستشفيات أو بالقرب من مباني البلديات أو في الشوارع المكتظة، تبدو من بعيد خزائن زجاجية محصنة ذات لون أصفر، بداخلها سرير ذاتي التسخين مزود بكاميرا وجهاز إنذار مرتبط بأقرب مركز للعلاج، وفي بابه معلومات عن كيفية الاستعمال.

الحديث هنا عن ما أصبح يعرف في أوروبا بـ"صناديق الأطفال" الموجهة إلى الأولياء الراغبين في التخلي عن أبنائهم الحديثي الولادة بطريقة قانونية.

ووفقا للإجراءات المتبعة في عدد من البلدان الأوروبية التي تنتشر فيها هذه الصناديق فإن أولياء الطفل المتخلى عنه يملكون الحق في التراجع عن قرارهم خلال ثمانية أسابيع، وعقب ذلك تتم مباشرة إجراءات التبني العادية وتصبح الدولة مسؤولة عن الطفل.

وعادت هذه الظاهرة التي عرفت في القرون الوسطى، إلى الظهور خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما أثار جدلا حولها ودفع بلجنة تبعة للأمم المتحدة إلى التحذير من خطورة الظاهرة واعتبرتها خرقا للاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الطفل.

غير أن هذا الإجراء يجد مؤيدين له بين الأحزاب اليمينية والجماعات الدينية التي تتبنى موقفا معارضا لقضية الإجهاض، وتبرر موقفها بدور تلك الصناديق في حماية الأطفال والمساعدة على إنقاذهم من الموت.

انتقادات
من جهتها قالت اللجنة المكلفة بمراقبة تطبيق الاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الطفل إن "صناديق الأطفال" منافية لمبدأ من مبادئ الاتفاقية ينص على أن "من حق الطفل معرفة أبويه والحصول على متابعة منهم"، وتؤكد على أن "حرمان طفل بطريقة غير قانونية من هويته يفرض على الدول الموقعة على الاتفاقية العمل على توفير حماية ومرافقة مناسبة لاسترجاع هويته"، وهو الأمر الذي لا يتم مع الأطفال المتخلى عنهم في تلك الصناديق.

وأوضحت اللجنة المكونة من 18 خبيرا في مجال حقوق الإنسان ومقرها جنيف، أنه تم نصب 200 صندوق خلال العشرية الماضية في عدد من الدول الأوروبية، استقبلت أكثر 400 رضيع منذ سنة 2000.

أتم الأستاذ بجامعة نوتينغهام البريطانية، كيفين براون دراسة عن الظاهرة استغرقت سنتين، أوضح من خلالها أن "صناديق الأطفال" تنتشر في 11 دولة من الاتحاد الأوروبي

وفي حديث لصحيفة الغارديان البريطانية انتقدت عضو اللجنة ماريا هركزوغ المبررات التي يقدمها المدافعون عن تلك الصناديق، وأشارت إلى أن الصناديق يجب أن تعوض بخطط أنجع من قبل الدولة في مجال التخطيط الأسري وتقديم المشورة والدعم للنساء في حالات الحمل غير المتوقع.

وقالت هركزوغ التي تعد من أبرز المختصين النفسيين في المجر إن هذه الصناديق قد تدفع إلى إعادة النظر في العلاقة مع الدول التي وقعت على الاتفاقية الأممية.

وأتم الأستاذ بجامعة نوتينغهام البريطانية، كيفين براون دراسة عن الظاهرة استغرقت سنتين، أوضح من خلالها أن "صناديق الأطفال"  تنتشر في 11  دولة من دول الاتحاد الأوروبي.

وقال براون إن هناك مؤشرات متزايدة على أن التخلي غالبا ما يتم من طرف الآباء أو الأقارب وهو ما يثير تساؤلات عن موقف الأمهات وهل هنّ راضيات عن التخلي عن أولادهنّ، وأشار إلى أن التخلي السري لا يمنح فرصة للتعرف على أقارب الطفل ويقضي على أيّ إمكانية لتكفل أحد الأقارب بتنشئته.

وأوضح الباحث في دراسته أن التشيك وليتوانيا تشهد سبع حالات تخلٍّ سنويا متبوعة ببولندا التي يصل العدد فيها إلى ستّ والنمسا وسلوفاكيا اللتين يصل فيهما إلى أربع، وأشار إلى تنامي الظاهرة في بلدان الاتحاد السوفياتي سابقا.

دفاع
في المقابل تجد تلك الصناديق مدافعين عنها في أوساط مختلفة بأوروبا، فقد أوضح سبر للآراء في سويسرا أن 87% من المستجوبين يعتقدون أن هذا الإجراء فعال جدا أو فعال، في حين أشار أكثر من ربع المستجوبين إلى اعتقادهم ضرورة وضع صندوق أمام كل مستشفى.

ويقدم المدافعون عن هذه الصناديق العديد من المبررات ومن بينها تلك المتعلقة بالحفاظ على حياة الأطفال غير المرغوب فيهم، وتقليص حالات رميهم في صناديق القمامة فضلا عن تشجيع الأمهات على الحفاظ على الجنين وتقليص اللجوء لعمليات الإجهاض.

وفي هذا السياق اعتبر منفراد فيبر نائب رئيس حزب الشعب الأوروبي بألمانيا أن سلامة الطفل أولى من  الحرص على معرفته بآبائه الحقيقيين.

وقال عضو الحزب المسيحي في سلوفاكيا ميروسلاف ميكولاشيك إن بند الاتفاقية الأممية الذي  يتحدث عن حق الطفل في معرفة أبويه إذا أدى إلى مقتل طفل واحد غير مرغوب فيه فذلك يعني أن تلك الاتفاقية خاطئة.

كما اعتبر براند بوزالت من الاتحاد الاشتراكي المسيحي بألمانيا أن تجربة بلاده إيجابية في هذا المجال، وقال إنه من الأهمية بمكان الحفاظ على حياة الأطفال في الحالات الخطرة، لأن كل المشاكل الأخرى يمكن حلها بمرور الوقت وتقدم الأطفال في العمر.

وجاءت الدراسة التي أعلن عنها المعهد الألماني للشباب والتي أكدت أن الإدارات التي تتكفل بالأطفال المتخلى عنهم عبر الصناديق فقدت أثر خُمس الأطفال الذين استقبلتهم، لتمنح مبررا إضافيا للرافضين لهذه الصناديق التي تظل قائمة إلى إشعار آخر.

المصدر : لوموند,غارديان