الحركات السلفية باتت تبسط سيطرتها بالكامل تقريبا على مناطق الشمال المالي (رويترز-أرشيف)
  أمين محمد-نواكشوط

لم يكن 2012 عاما عاديا لمالي تلك الدولة التي ظلت توصف بمنارة الديمقراطية في أفريقيا، ومثلت تجربتها في التحول الديمقراطي مثالا نادرا في منطقة عانت ولا تزال تعاني ويلات القهر والاستبداد، والصراع المسلح على السلطة.

فمع نهاية العام 2011 كان المئات من المقاتلين الأزواديين العائدين من ليبيا بعد اندلاع الثورة التي أسقطت نظام معمر القذافي يدلفون إلى صحراء مالي المترامية الأطراف يحركهم الثأر ضد جيش يقولون إنه قتل الآلاف من ذويهم في حملات عسكرية عديدة شهدها الإقليم الأزوادي في العقود الخمسة الماضية، ويحدوهم الأمل في بناء دولة أزوادية مستقلة لا سلطان للماليين عليها.

والحال أن هؤلاء المقاتلين لم يدخلوا المنطقة عزلا من سلاحهم، فقد حملوا ما خف وثقل من سلاح وعتاد أراد القذافي عندما وزعه وفتح مخازنه أن يصوب باتجاه نحور الليبيين، ولكن المقاتلين الأزواديين الذين كانوا ضمن الكتائب والأجهزة الأمنية الليبية نقلوا الكثير منها نحو صحراء مالي.

شرارة الحرب
وتغرب شمس العام 2011 على حركية متزايدة في الساحة الأزوادية: حركات تتأسس، وجماعات تتكتل، وأسلحة تتحرك في أرجاء الإقليم، وسكان يشاهدون ويترقبون، بدا أن المخاض كبير وأن المنطقة مقبلة على تحول حقيقي لم تشأ حكومة باماكو أن تتفاعل إيجابيا مع مؤشراته الأولى.

ومع منتصف يناير/كانون الثاني 2012 كانت ساعة الصفر قد اقتربت، فالاستعدادات العسكرية واللوجستية والتنظيمية قد اكتملت، وكما حدث في مرة سابقة كانت الشرارة الأولى للحرب من مدينة "منكا" قرب الحدود مع النيجر حين أعلن مقاتلو الحركة الوطنية لتحرير أزواد السيطرة عليها، وتحريرها من "المحتل" المالي، في 17 يناير/كانون الثاني.

ولم تكن معركة منكا الخاطفة والسريعة سوى شرارة كان لها ما بعدها، فقد دوى أزيز الرصاص في أرجاء الإقليم، وبدأت القرى والمدن والحاميات الصغيرة تتساقط تباعا في أيدي مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي تأسست في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، وأعيد تشكيلها بعد انضمام ثلاث مجموعات أخرى إليها في نهاية العام 2011، وهي الفترة التي أعلن فيها عن تأسيس حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا التي سيكون لها فيما بعد دور وتأثير قوي في الخريطة العسكرية والسياسية للإقليم.

وبررت الحركة الوطنية لتحرير أزواد إطلاقها للعمليات الحربية ضد القوات المالية برفض حكومة مالي الاستجابة لدعوات ومطالب ورسائل الحركة الداعية إلى حل القضية سلميا عبر الحوار والتفاهم.

في هذه الأثناء كانت المشاورات على أشدها بين شخصيات ومجموعات ذات مشارب سلفية جهادية أثمرت مولودا جديدا سيكون له الحضور المؤثر والفاعل في الأحداث اللاحقة للإقليم، يتعلق الأمر بحركة أنصار الدين التي أسسها الزعيم الطوارقي الشهير إياد أغ غالي، ولم يكن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي ذو الحضور القوي في صحراء مالي بعيدا عما يجري.

كان انقلاب الجنوب بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث نزل بردا وسلاما على الحركات الأزوادية المسلحة، وخيبة وخسرانا وانهيارا في المعنويات على الجنود الماليين في الشمال،

سقوط النظام
بعد نحو شهرين من بدء العمليات العسكرية في الشمال، وبعد العديد من الهزائم والخسائر التي كبدها المقاتلون الأزواديون للجيش المالي حدث ما لم يكن متوقعا، فقد قام جنود وضباط من ذوي الرتب المتوسطة بالاستيلاء على القصر الرئاسي وعلى المقار الإعلامية والرسمية قبل أن يعلنوا الإطاحة بنظام الرئيس آمادو توماني توري، وتنصيب النقيب سونوغو رئيسا جديدا لمالي خلفا لتوري الذي كان يعتزم ترك السلطة في انتخابات أبريل/نيسان 2012.

يقول الانقلابيون إن الإطاحة بالنظام جاءت بعد عجزه عن معالجة الوضع في شمال البلاد، وبعد أن تكبدت القوات المالية خسائر باهظة في الأرواح والمعدات، ولم تنجح مطالبات الجيش ولا تظاهرات المدنيين في إرغام حكومة توري على تحسين ظروف وتسليح وحدات الجيش المقاتلة في الشمال.

كان انقلاب الجنوب بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث نزل بردا وسلاما على الحركات الأزوادية المسلحة، وخيبة وخسرانا وانهيارا في المعنويات على الجنود الماليين في الشمال، وسرعان ما سقطت المعسكرات والمدن الكبرى (غاوه، كيدال، تمبكتو) بأيدي المقاتلين الأزواديين، وفرت كتائب الجيش المالي جنوبا تجر أذيال الخيبة والهزيمة مخلفة وراءها كما هائلا من العتاد والسلاح، وأرضا شاسعة لن يستطيع العودة إليها مرة أخرى إلا بجهد جهيد.

ولم تقتصر الخسارة الفادحة على الجوانب السيادية والعسكرية والأمنية، بل تعدتها إلى الجوانب الإنسانية، حيث أدت حرب الشمال وانهيار النظام في الجنوب لهجرة نحو 400 ألف من سكان الشمال، وفق التقديرات الأممية، نصف هذا العدد نزح نحو مناطق الجنوب، أما الباقي فلجأ لدول الجوار خصوصا موريتانيا والجزائر وبوركينافاسو.

الدولة البديلة
الفراغ الذي تركه غياب الدولة المالية في مناطق الشمال كان كبيرا جدا، استغلته الحركة الوطنية لتحرير أزواد للإعلان عن قيام دولة أزوادية مستقلة في السادس من أبريل/نيسان الماضي، ولكن تلك الحركة ذات الخلفية العلمانية لم تستطع تحقيق ذلك الحلم، ولا حماية ذلك المشروع، فسرعان ما طرد قادتها ومقاتلوها من أغلب مناحي الإقليم من قبل الحركات ذات الخلفية السلفية الجهادية وفي مقدمتها حركة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا المتحالفتان مع تنظيم القاعدة.

ورغم أن الحركات السلفية باتت تبسط سيطرتها بالكامل تقريبا على مناطق الشمال المالي فإنها لم تعلن إقامة دولة إسلامية، واكتفت بتطبيق الشريعة الإسلامية وأعلنت استعدادها -بل ودخل بعضها عمليا- في مفاوضات مع الحكومة المالية بغرض الاتفاق على صيغة تضمن التحام شمال مالي مع جنوبه بطريقة تضمن مصالح وحقوق الطرفين.

ولا يعرف حتى الآن ما إذا كانت الحكومة المركزية على استعداد فعلي لقبول اتفاق مع الحركات السلفية يحصل الشمال بموجبه على حكم ذاتي يسمح للجهات المسيطرة فيه بتطبيق الشريعة الإسلامية، أم أن الأمور تتجه نحو الخيار العسكري.

وتبقى مالي بجنوبها المضطرب وشمالها المفقود دولة على حافة الهاوية والانهيار، تتزاحم الأولويات على رفوف مكاتب الممسكين بزمام السلطة فيها

جنوب مضطرب
ما يعقد الأمور عموما في مالي هو ما آلت إليه الأوضاع في باماكو خلال العام المنصرم من عدم استقرار سياسي، حيث بقي الجيش وفي صدارته النقيب سونوغو والمقربون منه يمسكون عمليا بزمام السلطة ولا يرغبون في دخول قوات أجنبية إلى البلاد، في حين أن الحكومة التي تشكلت بعد الاتفاق مع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) ظلت تدفع في اتجاه استجلاب قوات عسكرية أفريقية لتحرير الشمال.

وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول، قام ضباط عسكريون موالون للنقيب سونوغو باعتقال الوزير الأول السابق الشيخ موديبو ديارا وأجبروه على الاستقالة، قبل أن يعلن الرئيس بالإنابة دينكوندا تراوري وزيرا أول جديدا ديانغو سيسوكو لقيادة حكومة جديدة احتفظ فيها وزراء الاقتصاد والدفاع والخارجية بمناصبهم.

وجاء إرغام العسكريين لديارا على الاستقالة ليتوج شهورا من الصراع الصامت بين الطرفين على خلفية ما يعتقد مراقبون أنه تنازع للصلاحيات بين موديبو ديارا الذي توهم أن تعيينه وزيرا أول في حكومة يقول الكثيرون إنها "مفروضة" من الخارج يؤهله للتصرف وفق ما يرى، في حين يرى العسكريون -وهو الواقع أيضا- أنهم من يمسكون حقيقة بزمام السلطة، وأولو الأمر والنهي الأول في البلاد، هذا فضلا عن حماس ديارا لاستجلاب قوات خارجية لـ"تحرير الشمال"، وهو أمر محل تحفظ شديد إن لم نقل محل رفض صامت وأحيانا ظاهر من قبل نقيب باماكو القوي سونوغو.

وتبقى مالي بجنوبها المضطرب وشمالها المفقود دولة على حافة الهاوية والانهيار، تتزاحم الأولويات على رفوف مكاتب الممسكين بزمام السلطة فيها، بين تسوية أوضاع جنوب مثقل بالصراعات والخلافات سياسيا وعسكريا، وتحرير بعيد المنال لشمال يبتعد مع الوقت سياسيا وعسكريا عن حضن الدولة المالية، وسط مخاوف من تحوله لإقليم أو دولة فاشلة تنشر ما يوصف دوليا بالإرهاب، طعنا في خواصر دول الجوار، وتعكيرا لصفو أمنها الهش واستقرارها الضعيف.

المصدر : الجزيرة