اليسار عاد بقوة وسيطر على المشهد السياسي الفرنسي (رويترز-أرشيف)
سيدي محمود ولد هلال

دخلت فرنسا سنة 2012 وهي تستعد لانتخابات رئاسية وبرلمانية تاريخية، وسط مخاوف من الأزمة المالية التي تطحن أوروبا، وكذلك في تقلبات سياسية كبيرة في مناطق ذات علاقة تاريخية وروابط قوية بفرنسا كسوريا وجمهورية مالي.

ففي 13 يناير/كانون الثاني أعلنت وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف المالي خفض تصنيف فرنسا من القمة) أأأ (إلى مرحلة دون ذلك)أأ+(مما يعني أن فرنسا تعاني بعض المخاطر من الأزمة المالية المحيطة بها، خاصة ما حدث في اليونان من أزمة وضعت القوى الأوروبية في مأزق لم تعرف كيف تتعامل معه.

يضاف إلى ذلك ما شهده اقتصاد الدول الجارة لفرنسا، خاصة إسبانيا وإيطاليا، عدا المناكفة الألمانية التي ترفض بقوة أن تتحمل وحدها تبعات مشاكل دول أوروبا، مما كاد يودي بمنطقة اليورو.
اليسار يعود

ولكن جو الحملة الانتخابية التي بدأت مبكرة لم يعط الفرنسيين الوقت للجدل في هذا الموضوع، وإن كان الرئيس آنذاك نيكولا ساركوزي وأعضاء حكومته قد تأثروا بصورة بالغة به، مما أدى إلى سقوطهم في الانتخابات بصورة غير مسبوقة، وكان ساركوزي بذلك أقل رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة فترة حكم.

وبسقوط ساركوزي فاز الرئيس الجديد فرنسوا هولاند في 15 مايو/أيار، ليستعيد لليسار سلطة سعى 17 عاما لاسترجاعها، بعد استحواذ الرئيس اليميني السابق جاك شيراك عليها 12 سنة ثم خلفه فيها يميني آخر هو ساركوزي الذي أضاعها.

وتتالت ضربات اليسار بقوة عندما انتزع الأكثرية النيابية في انتخابات يونيو/ حزيران، واستطاع تكوين حكومة يسارية لا تخضع لحالة تعايش مع رئيس يميني، كما كانت آخر الحكومات اليسارية أثناء حكم شيراك.

وإذا كانت بداية حكم اليسار لفرنسا بدأت في ظروف اقتصادية غير مواتية، وسط أزمة كادت تعصف بأوروبا، وخاصة منطقة اليورو، وجدل حول طرق الإصلاح والتعاون بين هذه المنطقة الاقتصادية المتميزة، فإن الظروف السياسية لم تكن أحسن حالا.

ففي مارس/ آذار، قبيل الانتخابات، شهدت فرنسا عمليات وصفت بالإرهابية نفذها فرنسي الجنسية والمولد يدعى محمد مراح، ذهب ضحيتها عدا المنفذ سبعة أشخاص من بينهم أربعة أطفال في مدرسة يهودية، مما أثار خوفا ثم جدلا كبيرا حول موضوع الإرهاب في فرنسا.

يسدل الستار على العام 2012 وفرنسا تجهد لاسترجاع تصنيفها الائتماني الذي ضاع في غفلة منها بداية العام،

فرنسا والإرهاب
وقد أعادت حادثة مراح إلى الأذهان موضوع الإرهاب الذي تعاني فرنسا من تداعياته في منطقة الساحل عموما وفي جمهورية مالي خصوصا، بعد أن اختطف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي فرنسيين وقتل بعضهم في السنوات الماضية وكان آخرهم قبل أسابيع، شمال شرقي مالي الذي استولى هذا التنظيم وتنظيمات أخرى متحالفة معه على مناطق شاسعة منه.

وتقف فرنسا وراء المنظمة الاقتصادية لدول أفريقيا الغربية التي تسعى إلى تدخل عسكري يعيد المناطق المالية المقتطعة، دون أن تقبل بدخول جيشها مباشرة، مع أنها مستعدة لتوفير كل أنواع الدعم اللوجستي والفني الحربي، منسجمة في ذلك مع الولايات المتحدة، وجالبة معها دعم الاتحاد الأوروبي.

وبنفس الانسجام يظهر موقف فرنسا في سوريا، ولكن بصورة متقدمة أكثر على كل هذه الدول، إذ اعترفت بالائتلاف الوطني السوري وطالبت بدعمه بكل الوسائل، بما فيها رفع الحظر عن السلاح، وهي تقدم له مساعدة اعتبرها بعض المراقبين سخية بالنسبة لدول أخرى.

وقد صوتت فرنسا لصالح الاعتراف بفلسطين دولة بصفة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، وهي مع الاتحاد الأوروبي تعارض الاستيطان في الضفة الغربية، وتطالب بوقفه.

ويسدل الستار على العام 2012 وفرنسا تجهد لاسترجاع تصنيفها الائتماني الذي ضاع في غفلة منها بداية العام، واستعادة مكانتها السياسية وهيبتها القديمة في القارة الأفريقية، مع احتمال دخول حرب يصعب استشراف مآلاتها. وتقرع فرنسا باب العام 2013 وهي تتحرك للانسجام أخلاقيا مع قيمها بدعم سوريا وفلسطين.

المصدر : الجزيرة