أتراك يحيون ذكرى وفاة مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك (الفرنسية-أرشيف)
محفوظ الكرطيط

عادة ما تكون الدول محط الأنظار والاهتمام بسبب ما يجري فوق أراضيها من تطورات لافتة سواء كانت سلبية أو إيجابية، لكن هذه الحالة كانت معكوسة تماما بالنسبة لتركيا طيلة عام 2012.

فالبلاد التي اعتمدت منذ سنوات توجها إستراتيجيا مبنيا على سياسة "تصفير المشاكل" وجدت نفسها طيلة العام 2012 متأثرة بشكل مباشر وعلى نطاق واسع بما يجري في بيت الجارة سوريا التي تشهد منذ مارس/آذار 2011 ثورة شعبية فاضت على حدود الشام واتخذت أبعادا إقليمية ودولية لافتة.

فأمام تفاقم الأوضاع الإنسانية في سوريا تدفقت على الأراضي التركية موجات كبيرة من النازحين تقدر حاليا بنحو 140 ألفا موزعين على عدة مخيمات في أنطاكية، وهو ما يطرح أعباء كثيرة على تركيا.

وعلى خلفية ذلك الوضع سعت أنقرة بشكل حثيث للتأثير على مسار الثورة السورية، وركزت في البداية على المستوى الدبلوماسي من خلال عدة زيارات لعدد من المسؤولين الأتراك إلى دمشق.

لكن عند الاقتناع بأن القيادة السورية مصرة على التعاطي الأمني مع الثورة، غيرت أنقرة مقاربتها للملف وفتحت الأبواب أمام كل أطياف المعارضة السورية، وتطور ذلك إلى احتضان إسطنبول في فاتح أبريل/نيسان للمؤتمر الثاني لأصدقاء سوريا الذي شهد مشاركة نحو ستين دولة وتوج بالاعتراف بالمجلس الوطني السوري.

وقد انعكس ذلك التعاطي مع الملف السوري على العلاقات مع جارة أخرى هي إيران وذلك بالنظر للتحالف الوثيق بين دمشق وطهران. وبلغ التوتر بين الطرفين أوجه على خلفية الدرع الصاروخية لحلف الشمال الأطلسي (ناتو) في تركيا، وعزم دول من نفس الحلف نشر بطاريات صواريخ باتريوت ومئات الجنود داخل تركيا على مقربة من الحدود مع سوريا.

وتنظر إيران بعين الريبة إلى تلك الخطوات ووصلت بها إلى الاعتقاد، بل، والمجاهرة بأن الغرب يخطط لـ"حرب عالمية" عبر نشر صواريخ باتريوت في تركيا.

وقد زادت حدة تأثر تركيا بالأزمة السورية عندما أسقط الجيش الحكومي السوري مقاتلة تركية فوق المياه الإقليمية السورية في 22 يونيو/حزيران الماضي وما تبعه من سقوط قذائف سورية في الأراضي التركية أسفر عن سقوط قتلى اضطرت معه أنقرة للرد بنفس الأسلوب.

قادة عسكريون أدينوا بقضية التخطيط لانقلاب عسكري (الأوروبية)

الأكراد وملفات أخرى
ومن التداعيات الأخرى للأزمة السورية على الداخل التركي اشتباه أنقرة بأن دمشق قد تكون متورطة في بعض الهجمات والتفجيرات التي نفذها مقاتلو حزب العمال الكردستاني في تركيا.

وتعيد تلك الشبهات للأذهان التحالف الصامت بين النظام السوري والعمال الكردستاني والذي يعود لتحالف زعيم الحزب عبد الله أوجلان -المعتقل حاليا في تركيا- مع النظام السوري في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.

وتعتبر تلك الشبهات الملمح الأساسي لملف الأكراد الذي يؤرق أنقرة من عدة عقود، ولم يشهد خلال العام الجاري أي اختراق كبير وبقي يراوح مكانه في دوامة الهجمات والتفجيرات من جهة والحملات العسكرية والملاحقات القضائية من جهة أخرى.

وفي ملفات داخلية أخرى واصل حزب العدالة والتنمية الحاكم مقارعته للمؤسسة العسكرية على جبهة العدالة حيث قضت محكمة الجنايات بإسطنبول في سبتمبر/ أيلول بالسجن لمدد تصل إلى عشرين عاما على عدد من القادة العسكريين، في قضية التخطيط لانقلاب عسكري على الحكومة عام 2003، وهي القضية التي عرفت باسم المطرقة.

وقبل ذلك بنحو شهر أحال الجيش التركي أربعين ضابطا كبيرا في القوات البرية والبحرية -من المعتقلين بتهمة التآمر ضد حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان- للتقاعد في مؤشر جديد يرسخ إبعاد العسكر عن الحياة السياسية.

رفع حظر الحجاب
وفي فصل آخر من فصول اختراق التوجه العلماني الذي تحميه المؤسسة العسكرية، قررت تركيا قبل نحو شهر رفع حظر الحجاب بمدارس التعليم الديني، والسماح للطالبات في المدارس العادية أيضا بوضع الحجاب في حصص تعليم الدين.

ويدخل ذلك القرار حيز التنفيذ بدءا من العام الدراسي المقبل، ويتضمن أيضا إلغاء إلزام الطلاب بزي مدرسي موحد.

وتكمن أهمية ذلك القرار في كون قطاع التعليم من مجالات الخلاف الرئيسية بين المحافظين دينيا الذين تتكون منهم قاعدة التأييد لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين خصومه العلمانيين الذين يتهمونه بفرض قيم إسلامية بأسلوب المواربة.

إلى جانب اهتمامات الحاضر وتطلعات المستقبل، فتحت تركيا خلال العام الجاري صفحة من الماضي تعود لعام 1993 وتتعلق بظروف وفاة الرئيس تورغوت أوزال الذي قاد البلاد بعيدا عن الحكم العسكري بالثمانينات وساعدت إصلاحاته الاقتصادية في تشكيل تركيا الحديثة.

وقد تم تحليل عينة من جثمان أوزال الذي استخرج في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن ممثلي الادعاء قالوا قبل نحو أسبوع إنه لم تظهر أي أدلة تؤكد وفاته بالسم، لكنهم أكدوا أن التحقيقات ستستمر لمعرفة أسباب الوفاة.

المصدر : الجزيرة