تقرير متشائم عن العراق لمعهد السلام الأميركي
آخر تحديث: 2008/4/10 الساعة 00:43 (مكة المكرمة) الموافق 1429/4/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/4/10 الساعة 00:43 (مكة المكرمة) الموافق 1429/4/5 هـ

تقرير متشائم عن العراق لمعهد السلام الأميركي

أشار آخر تقرير أعده معهد السلام الأميركي عن العراق إلى أن الولايات المتحدة تواجه خطر السقوط في مستنقع مرتفع الكلفة نتيجة عدم تحقيق تقدم سياسي في البلد المنقسم.

واعتبر التقرير الذي حمل عنوان "العراق بعد الزيادة.. خيارات وتساؤلات" أن التقدم السياسي بطيء جدا وسطحي والانقسامات السياسية والاجتماعية عميقة لدرجة أن واشنطن لم تعد قادرة على مغادرة العراق كما في السابق. وفيما يلي هذا نص التقرير بالكامل:

نص التقرير
العراق يبقى القضية الجوهرية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. فالأمن شهد تحسنا بمستويات عام 2005، وطرأ تقدم سياسي مؤقت، غير أنه لا يبدو في الأفق نهاية للالتزام الأميركي المطلوب لمنع خروج العراق عن السيطرة والتهديد بنشوب حرب على نطاق أوسع في المنطقة.

تواجه إدارة بوش والكونغرس خيارات صعبة: كيف يمكن إطالة وتعزيز النجاح النسبي الذي تحقق في فترة الزيادة؟ وهل يجب أن يستمر خفض القوات؟ متى ستكون قوات الأمن العراقية جاهزة لتسلم زمام الأمور؟ ماذا يمكن القيام به للتعجيل في تحقيق التقدم السياسي؟

في سبتمبر/أيلول، خبراء في الشؤون العراقية اجتمعوا بدعوة من معهد السلام الأميركي وحددوا خمس مصالح عليا يجب أن تحققها السياسة الأميركية في العراق.

- منع العراق من أن يصبح ملاذا أو منصة للإرهابيين الدوليين.

- استعادة مصداقية أميركا ومكانتها والقدرة على العمل على نطاق عالمي.

- تحسين الاستقرار في المنطقة.

- تقييد وإعادة توجيه النفوذ الإيراني.

- الحفاظ على عراق مستقل كدولة واحدة.

هذه المجموعة من الخبراء ذاتها اجتمعت مجددا الأشهر الأخيرة للنظر في خيارات السياسة من أجل تطوير سياسي في العراق يقوم على هذه المصالح الخمس. فظهرت خلافات حادة يعزى معظمها لترتيب المصالح حسب الأولويات المختلفة. وعوضا عن الجدل حول البقاء أم الانسحاب، المهتمون بالعراق يركزون على المصالح الوطنية التي يعتزون بها أكثر من غيرها، وكيف للسياسات التي يؤيدونها أن تخدم تلك المصالح. القيام بذلك، لن يفضي إلى إجماع، ولكنه يفسر ما هو على المحك ويسمح بجدل أكثر منطقية.

هذه الوثيقة تصف السياسة الراهنة (وكذلك التباينات الممكنة) وتقدم بديلين يمكن من خلالهما تقليص الالتزام الأميركي في العراق. وبالحديث عن الخيارات، هناك تساؤلات هامة يجب أن تجد أجوبة. ومع اقتراب ظهور الجنرال ديفد بتراوس والسفير الأميركي لدى العراق ريان كروكر، أمام الكونغرس في أبريل/ نيسان، قمنا بإضافة سلسلة من الأسئلة إلى هذا التحليل ربما تـُطرح بهدف توضيح السياسة والخيارات الأميركية.

"
لا يبدو في الأفق نهاية للالتزام الأميركي المطلوب لمنع خروج العراق عن السيطرة والتهديد بنشوب حرب على نطاق أوسع في المنطقة
"
وضع حسن ولكنه ما زال هشا
الواقع السياسي الظاهر في العراق هو أن الحكومة المركزية مقسمة وذات قدرة محدودة على الحكم. انعدام الثقة في أوساط القادة ببغداد ما زال كبيرا، والعديد من المناصب الوزارية الرئيسة بقي شاغرا لعدة أشهر. التشريع الهام بشأن اجتثاث البعث والعفو والسلطات الإقليمية والميزانية- حظي بالموافقة، ولكنه لم يحظ بنفس المستوى من التطبيق.

قوات الأمن العراقية قوي عودها ولكنها ما زالت عاجزة عن الثبات أو الخوض وحدها في قتال المتمردين والمليشيات. الولايات المختلطة داخل قوات الأمن العراقية تشكل تهديدا آخر.

الانجاز الرئيس الذي حققته الحكومة المركزية كان جمع وتوزيع عائدات النفط. الإنفاق شهد تحسنا: حصل ارتفاع في الميزانية بنسبة 60% عام 2007 مقارنة بأقل من 20% عنه في العام الذي سبقه. الولايات المتحدة استطاعت، بالعمل من خلال فرق إعادة الإعمار الإقليمية، دورا هاما في تحرير أموال الحكومة المركزية الكبيرة التي بدأت الحكومات الإقليمة باستثمارها محليا. إقليم كردستان ما زال نظريا مستقلا.

هناك عدة عوامل ساهمت في زعزعة الاستقرار. فالحركة القبلية المعروفة بالصحوة، وهي ليست مقصورة على السنة، خرجت إلى النور لقتال القاعدة، وفي بعض الحالات، للمشاركة في العملية السياسية. الولايات المتحدة شكلت تحالفات مع الجماعات المسلحة ذاتها. فانتشرت أعداد كبيرة من القوات الأميركية في المناطق إلى جانب قوات الأمن العراقية، فكانت النتيجة جديرة بالملاحظة: إقليم الانبار و (حتى وقت قريب جدا) مناطق كثير في بغداد كانت آمنة نسبيا، رغم أن أقليمي نينوى وديالا ما زلا يشهدان عنفا كبيرا.

الوضع في الجنوب ازداد عنفا مع شن الحكومة العراقية هجوما على البصرة للتخلص من مليشيات جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر. وقبل ذلك بسبعة اشهر، حافظ على وقف إطلاق النار ولكنه لم يفكك أسحلته أو يحل الجيش.

 إن التأثير طويل المدى للعملية الحكومية على الاستقرار يبقى تحت التمحيص في المستقبل: فإذا كانت ناجحة، فإن التأثير يجب أن يكون إيجابيا لأنه سيضعف جيش المهدي. وإذا كانت فاشلة، فإن الحكومة قد ينظر إليها بأنها ضعيفة وأن جيش المهدي بات قويا.

 إن انخفاض مستوى العنف الذي مازال بعيد المنال بالنسبة للعراقيين والأميركيين، يترك خلفه الوضع هشا ومعتمدا على وجود القوات الأميركية. ولكن حتى مع ذلك الوجود الأميركي، فإن الاستقرار النسبي قد لا يدوم إلى الأبد. بدون التقدم السياسي، فإن الولايات المتحدة تجازف بالغرق في العراق لفترة طويلة تحمل في طياتها تداعيات وخيمة تمس مصالحها في أنحاء مختلفة من العالم.

السياسة الراهنة

"
بدون التقدم السياسي، فإن الولايات المتحدة تجازف بالغرق في العراق لفترة طويلة تحمل في طياتها تداعيات وخيمة تمس مصالحها في أنحاء مختلفة من العالم
"
إن مستوى الالتزام الأميركي الراهن تجاه العراق كامل وغير مشروط. إنه "كامل" من حيث أن الولايات المتحدة تقوم بالتزام عسكري وسياسي ومالي كبير، وهو ما يرهق الموارد الأميركية. وهو "غير مشروط" حيث أن الولايات لم تربط دعمها للحكومة العراقية بأدائها الذي يعتريه القصور.

السياسة في العراق ذات شقين بحيث تدمج النهجين من القاعدة حتى القمة، ومن القمة حتى القاعدة.

من القاعدة حتى القمة
إن اتباع هذا النهج في بغداد ووسط وغرب العراق، جلب أمنا متزايدا وحكومات محلية وإقليمية فاعلة، وتوفير للخدمات الحكومية وبعض التنمية الاقتصادية.

وقد صمم هذا النهج لخلق حلقة متواضعة من السلام والتطور الاقتصادي على المستوى المحلي، من أجل تهيئة البيئة حيث تظهر المصالح المشتركة، ووضع الأساس للحل السياسي الأكثر ديمومة. إن الهدف ينطوي على تقوية القادة المحليين الذين يراهنون على السلام الدائم والازدهار.

الولايات المتحدة انتهجت أسلوب رفع اليد في جنوب العراق، وعوضا عن مد يدها للقادة المحليين، قامت أميركا بمساعدة الحليف الشيعي، المجلس الأعلى الإسلامي في العراق(ISCI)، وقوات الأمن العراقية التي يسيطر عليها ذلك المجلس في جهودهم للحد من النفوذ الصدر.

هذا النهج توج بدعم جوي أميركي في الهجوم الأخير على جيش المهدي بالبصرة. إن ISCI وحركة الصدر يحظيان بدعم من إيران. ومن وجهة نظر البعض، فإن هذه السياسة تترك الباب مفتوحا أمام التأثير السياسي الإيراني بينما يتم مواجهة الدعم الإيراني للقتالية.

عملت الولايات المتحدة في كل المناطق السنية والشيعية من العراق، على تعزيز القدرة الحكومية المحلية والإقليمية.

الولايات المتحدة تواصل دعمها للحكم الذاتي الكردستاني لكنها أصبحت أكثر حذرا في دعمها للأحزاب الكردية والحكومة الكردية الإقليمية. إن أهم تطور هام في هذا الصدد هو الدعم الأميركي المبطن للغارة العسكرية التركية لشمال العراق في فبراير/شباط و مارس/آذار.

وكانت الولايات المتحدة فاترة في ردها على المطالب الكردية باستفتاء دستوري لتحديد ما إذا كانت كركوك ستصبح تحت السيطرة الكردستانية، علما بأن الموعد النهائي لهذا الاستفتاء قد انقضى في نهاية 2007.

إن نهج "من القاعدة إلى القمة" يقبل بواقع سياسي لا مركزي بالعراق، ويحث على التعاون مع من يستطيع التحكم في مناطقه ومن لا يختلف في مصالحه عن المصالح الأميركية. وهذه السياسة أتت أكلها في خفض العنف وهيأت أجواء تساعد على التنمية الاقتصادية والسياسية. ورغم ذلك، فإنها عززت التجزئة السياسية للعراق التي قد تكون عائقا أمام تشكيل ميثاق سياسي وطني حقيقي، على اقل تقدير في المستقبل القريب.

من القمة إلى القاعدة

"
عوضا عن محاولة إيجاد حلول لقضايا سياسية مثيرة للجدل وطويلة الأمد تتعلق بطبيعة دولة العراق، يمكن لواشنطن تصب عملها على  بناء القدرات الحكومية على مستويات محلية وإقليمية وتنمية علاقات مع قادة محليين جدد
"
استمرت الولايات المتحدة أيضا في جهودها نحو "التسوية الوطنية" على مستوى الحكومة المركزية. وقد كانت الجهود منصبة على تحقيق المحددات التشريعية التي تتعلق بالتوزيع الأساسي لقضايا السلطة، والشكل النهائي لدولة العراق، مثل تشريع النفط وإصلاح الدستور، و تشريع السلطات الإقليمية، والعفو واجتثاث البعث.

إن الولايات المتحدة تعمل أيضا على بناء قدرات الحكومة العراقية، مركزة مبدئيا على تدريب وتجهيز قوات الأمن العراقية، ولأن الولايات المتحدة لم تفرض أي شرط مقابل دعمها للحكومة العراقية، فلديها تأثير ضئيل على قراراتها.

البرلمان العراقي حقق بعضا من المحددات التي وضعت من قبل الولايات المتحدة. القوانين التي مررها البرلمان مثل اجتثاث البعث والسلطات الإقليمية كانت غامضة، ويعتمد الأمر في كثير منه على التطبيق. القادة العراقيون يركزون على المحددات لإرضاء الولايات المتحدة، ولكن أولوياتهم في مكان آخر: مثل توفير الخدمات الرئيسة، وإدارة محتجزي العراق، والتعاطي مع السكان المشردين.

كان يقصد من المحددات مؤشرات تفويضية تهدف إلى تسوية وطنية على نطاق أوسع، مثل التزام أغلبية التيارات المتنافسة بالمبادئ الأساسية حول دولة العراق. والمحددات في هذا الصدد لم تتحقق.

إن التقدم الذي تم إحرازه كان ثمار السباق التكتيكي الذي وإن كان إيجابيا حتى الآن، لم يخفف من وطأة القضايا الرئيسة للاستقرار السياسي في العراق، أو يسهل ظهور حكومة وطنية حقيقية.

خيارات مستقبلية
ضمن هذه السياسة الراهنة، هناك شكلين مختلفين على أميركا أن تمعن النظر فيهما:

تبني سياسة"من القاعدة إلى القمة": في ضوء محدودية قدرة الحكومة الراهنة في بغداد- افتقارها إلى ارتباطها بشعبها ووقوعها تحت سيطرة تيارات ذات مصالح سياسية- فقد يكون من الأفضل للولايات المتحدة أن توجه جهودها نحو المستوى المحلي حتى أكثر من ذي قبل.

وعوضا عن محاولة إيجاد حلول لقضايا سياسية مثيرة للجدل وطويلة الأمد تتعلق بطبيعة دولة العراق، يمكن للولايات المتحدة أن تعلق هذه القضايا وتعمل بدلا من ذلك على بناء القدرات الحكومية على مستويات محلية وإقليمية وتنمية علاقات مع قادة محليين جدد. ثم بعد ظهور أحزاب سياسية موجهة سياسيا ومشاركتها في الانتخابات، ستكون المرحلة مهيأة لتسوية سياسية وطنية دائمة.

الزيادة السياسية في بغداد
البديل هو "صفقة ضخمة" يتم فيها الاعتراف بأن المحددات التشريعية لا تخدم الوظائف المقصودة، وأنها تحققت على عجل بهدف إرضاء المطالب الأميركية.

إن نهج "الصفقة الضخمة" سيجمع كل التيارات العراقية معا في حوار واسع النطاق بهدف إيجاد حل للقضايا الجوهرية التي تتعلق بدولة العراق بما فيها الفدرالية وتوزيع السلطة. فالمسار المثالي لهذه الصفقة هو مراجعة الدستور الذي يمثل النطاق الأكبر للتيارات السياسية العراقية، وبمجرد التعثر، فلا بد من دعم الصفقة وتعزيزها عبر خلق جهاز دولة قابل للحياة وقادر على توفير الأمن والاستقرار، وضمان الالتزام الحكومي بالنظام السياسي الجديد.

خيارات أخرى؟
للسياسة الراهنة ثلاثة عيوب:

مكاسب ربما تكون غير محددة المعالم: يعزى النجاح في هذه الحالة إلى عدة عوامل خارج النطاق الأميركي، وبالتالي فإنها قابلة للتغيير. ويشمل هذا النجاح وقف إطلاق النار من قبل جيش المهدي، والاستعداد المستمر للصحوة للتعاون. إن تعزيز الصحوة- المؤلفة غالبا من متمردين سابقين وقادة معارضين للحكومة العراقية- قد يحمل مخاطر الانقلاب على صاحبها.

"
التطور السياسي الدائم قد يستغرق من 5 إلى 10 سنوات من الالتزام الأميركي الكامل وغير المشروط تجاه العراق
"
لا حل سياسي: التقدم السياسي بطيء جدا وسطحي، والتجزئة السياسية والاجتماعية بارزة لدرجة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مغادرة العراق كما كانت عليه العام الماضي.

 إن التطور السياسي الدائم قد يستغرق من 5 إلى 10 سنوات من الالتزام الأميركي الكامل وغير المشروط تجاه العراق.

التكلفة مرتفعة جدا: إن الالتزام الأميركي نحو العراق يحمل في طياته تكاليف باهظة على الصعيدين البشري والمالي، فضلا عن تضحية الولايات المتحدة بمصالحها العالمية مقابل الالتزام نحو العراق. وحتى إن كان التقدم في العراق يستمر، فإن النتائج قد لا تكون جديرة بالتكلفة.

فإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة أو غير مستعدة للالتزام الكامل وغير المشروط تجاه العراق، فيتعين عليها البحث عن سياسات بديلة من شأنها أن تقلل من الالتزام الأميركي ولكن في نفس الوقت تحمي على الأقل بعضا من مصالحها الحيوية. وهناك بديلان بارزان: التزام مخفض ومشروط، و التزام بخفض عسكري شبه كامل وغير مشروط. ونوضح أدناه هذين البديلين:

التزام مخفض ومشروط:
- الخلاصة: التأكد بأن الدعم الأميركي للحكومة العراقية مشروط بتحقيق تقدم في بعض الأهداف السياسية، ما يؤدي إلى نظام أقل مركزية مع حكومة مركزية ضعيفة مدعومة بوجود أميركي مخفض جدا.

القاعدة: الدعم العسكري الأميركي المطلوب لتحقيق إنجازات أمنية في العراق، ربما لا يبقى بعد 2008. فخفض عدد القوات الأميركية سيؤدي إلى نوع من الفوضى مهما كان شكلها. والديناميكية السياسية المتجزئة والأقل مركزية في العراق يتعذر العودة عنها. إن تأسيس حكومة مركزية في بغداد تتولى دور أميركا الأمني لن يحدث في الوقت المتاح.

النتيجة المقبولة في حدها الأدنى لتبرير الدعم الأميركي المتواصل هي عراق أقل مركزية يتمتع بحكومة مركزية تقوم بوظيفتين أساسيتين: توزيع العائدات والأمن على المستوى الوطني. ولتحقيق هذا الهدف، يتعين على العراق القيام بما يلي:

- آلية الشراكة في عائدات النفط

- انتخابات إقليمية للمساهمة في جعل هيكل السلطة اللامركزية رسمية

- جيش محترف ومحايد وغير طائفي، لتوفير الحماية للدولة وضبط العنف الحزبي.

ورغم أن هذه الخطوات قد تحتاج الكثير، فيتعين على الولايات المتحدة- من أجل التوصل إلى تحقيقها- أن توضح للحكومة العراقية بأنه إذا لم تحقق تقدما ملموسا نحو تلك الأهداف مع نهاية 2008 فإن الولايات المتحدة ستنسحب بناء على جدولها الخاص بها.

وإذا ما تجاوبت الحكومة العراقية لهذا الضغط، فإن الولايات المتحدة ستبقي على وجود مخفض لقواتها لدعم وتدريب وتجهيز قوات الأمن العراقية وضبط التيارات العراقية المتنافسة.

 فالمفاوضات الثنائية للتوصل إلى اتفاق أميركي عراقي توفر منتدى يتم من خلاله وضع شروط هذه الصفقة التي ينبغي أن تشتمل على التأكيد بأن الولايات المتحدة لا تريد قواعد دائمة في العراق.

هذه السياسة تتجنب فرض المطالب الأميركية التي تتجاوز الحد الأدنى، ما يحد من الجهود الدبلوماسية والسياسية الأميركية. فمن غير الحكمة الاستمرار في استثمار الموارد الرئيسة والتوقعات بهدف تقوية الحكومة المركزية. وإذا ما فشل العراقيون، على الولايات أن تخفض من خسائرها.

التزام بخفض عسكري شبه كامل وغير مشروط
-الخلاصة: إعادة انتشار غير مشروطة لجميع القوات الأميركية من العراق، بالاقتران مع وجود أمني معزز في المنطقة، وجهود دبلوماسية حثيثة، ودعم سياسي متواصل لأسس الحكومة العراقية: الوجود المستمر للقوات الأميركية في العراق لا يستطيع أن يؤتي بنتيجة جديرة بالتكلفة البشرية والموارد.

علاوة على ذلك، فإن المصالح الكونية الواسعة التي تضحي بها الولايات المتحدة إثر وجودها بالعراق، تتجاوز أي مكاسب يمكن تحقيقها هناك. وهذا الخيار قد يتضمن:

- جدول زمني لسحب كامل للقوات الأميركية من العراق، ثابت وغير قابل للمفاوضات، ولا يتعلق بالبيئة السياسية العراقية، وغير قابل للتغيير (مثال ذلك، الانسحاب يبدأ في يناير/كانون الثاني 2009، وينتهي في يناير 2011)

- وجود عسكري أميركي معزز في الخليج والحفاظ على القدرة الأميركية على التدخل من خارج العراق.

- إعادة بناء تحالفات إقليمية

- ضمن الحدود المسموح بها لسحب القوات الأميركية المنتشرة، وجود دبلوماسية ومساعدة أميركية داخل العراق بما فيها تدريب وتجهيز المهمة التي تدار من قبل مكتب التعاون الدفاعي في السفارة الأميركية.

المصالح الأميركية، والمخاطر والمتطلبات
جميع هذه السياسات تضع أولويات مختلفة بالنسبة للمصالح الأميركية الخمسة الأساسية بالعراق، وتمثل مخاوف ومتطلبات مختلفة:

التزام كامل وغير مشروط:

"
لا يوجد سبيل لتحقيق الاستقرار في العراق دون وجود الحد الأدنى من التعاون من قبل إيران لا سيما أن حدودها الشاسعة مع العراق وفرت فرصة كبيرة للنفوذ الإيراني
"
- منصة للإرهاب: إيجابية كبيرة. وهذا يوفر إنكارا استراتيجيا للقاعدة بالعراق طالما أن الصحوة والقوات الأميركية باقية في مكانها.

- استعادة القدرة والمصداقية: سلبية كبيرة. الجنود الأميركيون لا يملكون حرية العمل في مكان آخر. فمن الناحية الإيجابية، الولايات المتحدة قد تخلق مصداقية عبر الاستمرار في التزامها بأهدافها التي أعلنتها.

- الاستقرار الإقليمي: خليط (من الإيجابية والسلبية). وجود عدد كبير من القوات الأميركية يمنع نشوب حريق هائل على المستوى الإقليمي، ولكن قد يشكل في نفس الوقت ذريعة لتدخل إقليمي في العراق.

- التأثير الإيراني: الإيجابية ضئيلة. هذه السياسة تركز على تقويض العمليات العسكرية التي ترعاها إيران، غير أنها تترك الباب مفتوحا أمام النفوذ السياسي الإيراني. مع مرور الوقت، وإذا ما كان الحوار الوطني ناجحا، فإن ظهور "مركز عراقي" قد يسهم في التكافؤ مع النفوذ الإيراني.

- دولة واحدة: سلبية: رغم بقاء دولة واحدة من الناحية الفنية، فإنها في الأساس تكون لا مركزية.

هذه الطريقة تتطلب أقل من السياسة الراهنة من حيث الالتزام المالي والسياسي والعسكري. ومع ذلك، فإنها تجعل الولايات المتحدة اقل تحكما بالوضع، وتعتمد في نجاحها على إرادة التيارات العراقية المختلفة بالإيفاء بالتزاماتهم.

 وهذه الطريقة قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار، ولكنها تخلف وراءها قوات أميركية تملك القدرة على التدخل فقط إذا ما تم المس بمصالحها الحيوية.

التزام بخفض عسكري شبه كامل وغير مشروط
- منصة للإرهاب: سلبية. الولايات المتحدة أقل قدرة من أن تعمل ضد الإرهابيين بالعراق بدون وجود قوة هناك. وهذا يمكن تخفيف وطأته جزئيا بضآلة الوجود الأميركي كحافز للإرهاب بالإضافة إلى وجود عسكري خارجي قوي يهدف إلى الاحتواء.

- استعادة القدرة والمصداقية: خليط (من الإيجابية والسلبية). هذا يقلل من التكلفة البشرية والمالية ويسهم في استعادة القدرة العسكرية الأميركية، ويحرر الجهود الدبلوماسية والموارد الأخرى لتنصب على قضايا أخرى وإزالة المظالم الدولية ضد الولايات المتحدة. ومن الجانب السلبي، فإن مفهوم هزيمة الولايات المتحدة يبقى احتمالا كبيرا.

-الاستقرار الإقليمي: ربما تذهب النتيجة في أي من الاتجاهين. فإذا ما فشل العراق وتفاقم الصراع الشامل، فإن هذه السياسة ستحمل نتيجة سلبية على الاستقرار الإقليمي. وإذا لم يحدث أي صراع هائل في المنطقة، فإن دولة العراق ستقف، وسيسهم الانسحاب في استتباب الاستقرار في المنطقة عبر إزالة مصدرا للاحتكاك وهدفا للإرهابيين.

التأثير الإيراني. سلبي. إيران تتمتع بيدو طولى بالعراق دون معارضة أميركية، ومع ذلك، فإن هذه السياسة تمنح الولايات المتحدة حرية ضرب إيران دون الخشية من رد انتقامي إيراني ضد القوات الأميركية في العراق.

الدولة الواحدة (single state): من الصعب التكهن بالنتيجة. هذه السياسة تجعل التطور السياسي في أيدي العراقيين بشكل كامل. وغياب القوات الأميركية ربما يسهم في تسوية عراقية ويعرض العراق الموحد، أو ربما يؤدي إلى الانهيار.

وهذه السياسة قد تفضي إلى فشل كامل لدولة العراق، وفوضى عارمة وحتى مجزرة. فإذا ما وقعت مجزرة، المؤيودون لهذه السياسة يعتقدون بأن على الولايات المتحدة أن تتدخل لوقفها.

والمصداقية التي تحاول الولايات المتحدة أن تخلقها في أوساط المجتمع الدولي عبر الانسحاب من العراق، قد تزيد من احتمال تقدم الآخرين للمساعدة في هذه الجهود. هذه السياسة تتطلب من الدول المجاورة قبول الوجود العسكري الكبير للولايات المتحدة دون التدخل في الانسحاب الأميركي.

جيران العراق
كان من الممكن أن تحسن الخيارات الثلاثة للسياسة الأميركية بالعراق فرص النجاح لو أن جيران العراق أبدوا تعاونا. ففي الأشهر الأخيرة، طرأ تحسنا طفيفا على سلوك سوريا وإيران: يبدو أن الجيش الأميركي يعتقد أن عددا أقل من المتمردين قد سمح لهم بالتسلل من سوريا، وأن الهجمات التي استهدفت التحالف بأسلحة يعتقد أنها إيرانية، قد تراجعت، على الأقل قبل العملية العسكرية الحكومية ضد جيش المهدي ورد المهدي على المنطقة الخضراء في بغداد.

في نفس الوقت، الغارة الكبيرة التي نفذتها تركيا في كردستان ضد جماعات حزب العمال الكردستاني بموافقة ضمنية أميركية، أقلقت الأكراد، وتسبب في إزعاج قليل في أوساط عرب العراق.

من الأهمية بمكان أن تواصل أميركا انخراطها مع جميع جيران العراق، وخاصة إيران والسعودية. فحتى الآن، ما زالت الجهود في هذا الصدد مشتتة، وأقل أخلاصا.

إن الولايات المتحدة في حاجة إلى تركيز أكثر على ما تريده من إيران والسعودية، وما تملكه من قوة نفوذ عليهما. فمن الواضح أنه لا يوجد سبيل لتحقيق الاستقرار في العراق دون وجود الحد الأدنى من التعاون من قبل إيران لا سيما أن حدودها الشاسعة مع العراق وفرت فرصة كبيرة للنفوذ الإيراني، ناهيك عن التداخل الثقافي بين إيران وشيعة العراق.

والسعودية أظهرت في الفترة الأخيرة وجها وديا للعراق، ولكنها تواصل التردد في إقامة علاقات دبلوماسية جوهرية وتسوية قضايا الديون الثنائية.

أسئلة لبتراوس وكروكر

"
ما مدى امتداد سلطة الحكومة المركزية العراقية الفاعلة خارج حدود المنطقة الخضراء نحو المستوى المحلي؟
"
من المتوقع أن يتقدم الجنرال بتراوس والسفير كروكر للشهادة أمام الكونغرس قريبا، ويتوقع الشعب الأميركي منهم أن يقدموا صورة واضحة عن مجرى الأمور والخيارات في العراق.

لا أحد يريد نتيجة كارثية في العراق، ولكن في نفس الوقت لا يمكن المطالب بالالتزام المفتوح. المساءلة في الكونغرس ستسعى من أجل توضيح الرؤية حول طول المدة المطلوبة لبقاء القوات، ومتى يمكن إجراء انسحاب آخر، وكيف يمكن تعزيز الاستقرار على المدى البعيد.

1- العملية العسكرية التي قامت بها الحكومة العراقية ضد جيش المهدي في البصرة انتهت بحالة من الاسترخاء.

ماذا يمكن لهذه العملية أن توحي لنا حول قدرات وولاءات قوات الأمن العراقية؟ وحول التأثير الإيراني؟ وحول نوايا وقدرات جيش المهدي؟

2- مع انسحاب القوات الأميركية إلى ما قبل مستويات زيادة القوات، قد يعاود جيش المهدي لمواجهة قوات الأمن العراقية.

إلى أي مدى يرتبط السلوك الجيد نسبيا لمقتدى الصدر وجيش المهدي بالزيادة؟ هل يمكن أن نتوقع جهودا جادة لتسريح جيش المهدي؟ لماذا يتخد مقتدى الصدر خطوات لحرفنة مليشياته إذا كان غير عازم على استخدامها؟

3- الحكومة المركزية في العراق تبدو ضعيفة، والانهيار احتمال حقيقي في أعقاب الانسحاب الأميركي.

ما مدى امتداد سلطة الحكومة المركزية العراقية الفاعلة خارج حدود المنطقة الخضراء نحو المستوى المحلي؟ ماذا سيحدث لو أن أميركا وضعت جدولا حقيقيا للانسحاب؟ متى يمكن أن نتوقع تسليم المسؤولية الأمنية في كافة أرجاء البلاد لقوات الأمن العراقية؟ هل من الحكمة أن نستمر في تعزيز الحكومة المركزية، أم علينا أن نركز بشكل أكبر على الحكم المحلي؟

4- هناك بعض التقدم الذي طرأ على المحددات التشريعية، ولكن في نفس الوقت هناك بعض الشك حيال التطبيق.

هل التقدم الذي حققته الحكومة العراقية بشأن المحددات التشريعية مؤشر على تسوية دائمة؟ ما هو التأثير العملي لقوانين العفو واجتثاث البعث؟ هل يمكن عقد الانتخابات الاقليمية قبل الأول من أكتوبر؟ كيف يمكن كبح العنف أثناء العملية الانتخابية؟

5- النفوذ الأميركي على الحكومة العراقية يبدو متراجعا. ما هو النفوذ الذي تخلت أميركا عنه وكيف يمكن تعزيزه؟ هل سيركز على العقول العراقية إذا ما وضعت أميركا جدولا للانسحاب؟ هل يمكن أن يكون جعل المساعدة الأميركية مشروطة بتحقيق المحددات، عائقا أمام العملية برمتها؟

6 هناك مشاكل جسيمة في الشرطة العراقية لوجود وحدات موالية لمليشياتها. والتقارير الأخيرة تشير إلى أن قسما كبيرا من الجيش العراقي لديه المشكلة ذاتها.

إلى أي مدى ينبغي أن نشعر بالقلق إزاء الولاءات المتعددة داخل الجيش العراقي؟ بعد انسحاب القوات الأميركية إلى مستويات يصعب عليها المراقبة، هل هناك خطورة بارتفاع في انتهاك قوات الأمن العراقية لحقوق الإنسان؟

7- جماعات الصحوة تحتوي على عناصر مناهضة للحكومة والاحتلال. ما مدى خطورة الصحوة إذا لم يتم دمجها في الحكومة العراقية او العملية السياسية؟ هل يشكلون تهديدا للعنف الطائفي؟ هل هناك خطوات تتبع لدمجهم في قوات الأمن العراقية؟

8- إن القواعد الأميركية في العراق قضية حساسة في المنطقة. هل تم إعداد خطط ومطالبات مالية لنقل قواعدنا الحالية للسلطات العراقية؟ هل هناك خطط لوجود عسكري أميركي طويل الأمد في العراق؟

9- كان لزيادة القوات الأميركية بالعراق بعض التقدم، ولكن الإدارة مازالت تقول إننا في حاجة للبقاء هناك.

إذا كان غياب التقدم يعني أن علينا أن نزيد من عدد قواتنا، والتقدم يعني أن علينا أن نبقى، ففي أي ظروف يمكن لنا أن نسحب معظم قواتنا المقاتلة من العراق؟ مع زيادة الطلب على القوات في أفغانستان، ما هو الحد الأدنى من القوات المطلوب لمهمتكم في العراق؟

"
ماذا تفعل الولايات المتحدة لتحسين العلاقات مع الدول العربية؟ كيف لنا أن نحظى بدعم أقوى من الدول العربية لصالح العراق؟
"
10- المؤشرات الأخيرة للتقدم كانت محل ترحيب. ماهي المؤشرات الأخرى للتقدم السياسي الذي يمكن لنا أن نتوقعه قبل نهاية 2008؟ في الاشهر المقبلة، ما هي مؤشرات الفشل التي يمكن أن تستوجب إعادة النظر في إستراتيجيتنا الحالية؟

11- الوجود الأميركي في العراق غالبا ما يعتبر أمرا حيويا في قتال القاعدة، ولكن النجاح الرئيس الذي يتحقق يأتي من قبل جماعات الصحوة.

هل وجودنا العسكري، بتركيبته الحالية، حيوي في هزيمة القاعدة؟ ما هي فرص القاعدة بعد الانسحاب الأميركي من العراق، في إعادة تشكيل نفسها والسيطرة على مناطق كبير من البلاد؟ هل سيكون بمقدور الصحوة مواجهة القاعدة دون وجود عسكري أميركي كبير؟

12- كما أن الوجود الأميركي يعتبر هاما في تحقيق التوازن مع النفوذ الإيراني.

 ما هي فرص مليشيات الشيعية المدعومة إيرانيا، بعد انسحاب القوات الأميركية، في تعاظمها وسيطرتها على الحكومة و/أو مناطق كبيرة من البلاد؟ أم هل الانسحاب الأميركي سيفضي إلى اقتتال بين المليشيات الشيعية؟ كيف ترى الوضع السياسي والأمني في البصرة، وخاصة من حيث التأثير الإيراني؟

13- يبدو أن هناك عددا أقل من المتمردين الذين يتسللون عبر الأراضي السورية، وكذلك الهجمات التي يستخدم فيها أسلحة من أصل إيراني ضد القوات الأميركية، باتت قليلة.

هل تبدي كل من سوريا وإيران تعاونا في استتباب الاستقرار بالعراق؟ إذا كان كذلك، لماذا؟ ماذا يمكن أن نفعل أكثر لتشجيعهما على التعاون؟ ماذا كان دور إيران في تعليق العمليات العسكرية وعودة الهدوء بالبصرة.

14- العلاقات بين العراق والدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، ضعيفة. ماذا تفعل الولايات المتحدة لتحسين هذه العلاقات؟ كيف لنا أن نحظى بدعم أقوى من الدول العربية لصالح العراق؟

المصدر : الجزيرة