بيل ريتشاردسون قام بوساطات كثيرة بعدة بلدان بينها العراق والسودان (الفرنسية-أرشيف)

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي أصبح بيل ريتشاردسون (51 عاما) واحدا من الوجوه البارزة في الحزب الديمقراطي الأميركي، وبات أحد الأصدقاء المقربين لـبيل كلينتون الذي انتخب لاحقا رئيسا للبلاد (1992-2000).

وصل ريتشاردسون -الذي اختاره الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما لمنصب وزير التجارة- إلى مركز النخبة في الحزب الديمقراطي بعد أن انتخب عام 1982 عضوا في الكونغرس ليبقى ممثلا عن ولاية نيو مكسيكو طيلة 14 عاما.

إلى جانب ذلك تقلب ريتشاردسون -ذي الأصول الإسبانية- في كثير من المهام في ظل الإدارة الديمقراطية بقيادة كلينتون، وسعى إلى دخول الانتخابات الرئاسية عام 2000 طامحا في أن يكون نائبا لمرشح الحزب آل غور.

لكن حلم دخول البيت الأبيض ولو نائبا لسيده الرئيسي تحطم على صخرة تداعيات سوء إدارته آنذاك عندما كان وزيرا للطاقة لفضيحة تجسس على الأسرار النووية الأميركية لصالح الحكومة الصينية. وبسبب تلك الفضيحة طالب الشيوخ الجمهوريون بإقالة ريتشاردسون، الذي تلقى الانتقادات حتى من الشيوخ الديمقراطيين.

ويبدو أن ذلك الفشل لم يقتل في نفس ريتشاردسون طموح قيادة البلاد بعد أن اضطلع على مدى أعوام طويلة بمهمات دبلوماسية حساسة في مناطق كثيرة من العالم، وأصبح سفيرا لبلاده لدى الأمم المتحدة في 1997 وبقي في المنصب لمدة عام واحد.

"
ريتشاردسون قرر في يناير/كانون الثاني الماضي الخروج من سباق الرئاسة ليعلن لاحقا دعمه أوباما، فيما كان الكل يتوقع تأييده هيلاري كلينتون بالنظر إلى علاقته الطويلة والقوية بزوجها

"
محاولة ثانية
بعد ثماني سنوات على المحاولة الأولى، عاد ريتشاردسون ساعيا لدخول السباق الرئاسي ممثلا للحزب الديمقراطي في انتخابات 2008، لكن حسابات المراحل الأولى من الانتخابات التمهيدية أظهرت له أن باب البيت الأبيض لا يزال منيعا أمامه.

وهكذا قرر في يناير/كانون الثاني الماضي الخروج من السباق ليعلن في أواخر مارس/آذار دعمه أوباما، خالقا المفاجأة في صفوف الديمقراطيين حيث كان الجميع يتوقع تأييده هيلاري كلينتون بالنظر إلى علاقته الطويلة والقوية بزوجها.

لم يكن البيت الأبيض وحده القلعة الحصينة أمام ريتشاردسون، حيث أن أبواب الأكاديمية السويدية ظلت بدورها موصدة أمامه رغم أنه تم ترشيحه ثلاث مرات لجائزة نوبل عن الأدوار التي لعبها في التفاوض من أجل الإفراج عن أسرى ورهائن ومحتجزين في كوريا الشمالية والعراق وكوبا.

ومن بين تلك الأدوار زيارته إلى بغداد عام 1996 بتكليف من بيل كلينتون ليفاوض بشكل انفرادي الرئيس العراقي صدام حسين من أجل إطلاق سراح عاملين أميركيين يشتغلان بالصناعة الفضائية احتجزا أثناء تجولهما على الحدود مع الكويت.

"
بيل ريتشاردسون التقى في الخرطوم الرئيس السوداني عمر حسن البشير في سبتمبر/أيلول 2006 ونجح في إقناعه بإطلاق سراح صحفي أميركي كان متهمتا بالتجسس بعد دخول السودان بطريقة غير قانونية

"
وساطات وحاكمية
بعد ذلك بعشر سنوات عاد ريتشاردسون إلى العالم العربي في مهمة مماثلة، حيث التقى في الخرطوم الرئيس السوداني عمر حسن البشير في سبتمبر/أيلول 2006 ونجح في إقناعه بإطلاق سراح الصحفي الأميركي بول سالوبيك، الذي اتهمته السلطات السودانية بالتجسس بعد أن دخل أراضيها بطريقة غير قانونية.

ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى عاد ريتشاردسون للسودان للتوسط بين البشير وقادة الفصائل المتمردة من أجل وقف إطلاق النار طيلة ستين يوما في إقليم دارفور غربي البلاد، لكن ذلك المسعى لم يكتب له النجاح بعد تبادل الجانبين التهم بخرق الهدنة.

وإلى جانب المهام الدبلوماسية والوزارية التي اضطلع بها مستفيدا من تكوينه الأكاديمي الصلب في العلاقات الدولية والدبلوماسية، فإن ريتشاردسون بنى سمعته على أدائه المتميز بكونه أول حاكم ولاية في البلاد من أصول إسبانية.

فقد انتخب عام 2002 حاكما لولاية نيو مكسيكو، وخلال الحملة الانتخابية لذلك المنصب أبان عن حس تواصلي عال وحقق رقما قياسيا دخل به موسوعة غينيس للأرقام القياسية، حيث سجل أعلى رقم لعدد المصافحات التي قام بها زعيم سياسي خلال ثماني ساعات، محطما رقما كان في حوزة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت (1933-1945).

وعاد ريتشاردسون ليفوز بولاية ثانية عام 2006 متفوقا بنسبة كبيرة على منافسيه، في إشارة دالة على مدى اعتراف ناخبي الولاية بإنجازاته في كثير من المجالات أبقت صاحبها في دائرة الأضواء على صعيد البلد برمته.

المصدر : الصحافة الأميركية