عمدة لندن كين ليفينغستون يصف شارون بمجرم الحرب 
محمد عبد العاطي
منذ إعادة انتخاب كين ليفينغستون عمدة للعاصمة البريطانية لندن في مايو/ أيار 2004 والجدل الذي تثيره تصريحاته ضد إسرائيل والجالية اليهودية في إنجلترا لا ينتهي، فما إن تخمد العاصفة التي يثيرها تصريح له حتى تثور في مدينة الضباب عاصفة تصريح جديد.
 
اليوم كانت بريطانيا على موعد مع عاصفة من هذا النوع، بدأت حينما فوجئ الرأي العام البريطاني بمقالة نارية لليفينغستون منشورة في صحيفة غارديان يتهم فيها صراحة إسرائيل بأنها تمارس "التطهير العرقي ضد الفلسطينيين" ويصف رئيس وزرائها أرييل شارون بأنه "مجرم حرب" ويبرر ذلك بقوله إنه -أي شارون- يقوم بعمليات التطهير العرقي عن طريق طرد الفلسطينيين من أرضهم التي يعيشون عليها منذ قرون طويلة، وباستخدام العنف المنظم وبناء المستوطنات وبرفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
 
تلك التصريحات أحدثت جدلا كبيرا في الشارع البريطاني، وحظيت بتغطية موسعة من معظم وسائل الإعلام، وأثارت مخاوف المؤيدين له والمتعاطفين معه، وتوقعوا أن يأتي سريعا اليوم الذي يسقط فيه صريعا بسيف "معاداة السامية" الذي تشهره الجالية اليهودية في بريطانيا بوجه أي منتقد لإسرائيل.
 
لكن عمدة لندن بادر باتخاذ خطوة استباقية قطعت على تلك الجالية الطريق، فقال بجلاء في مقالته المذكورة "من الضروري التفريق بين الانتقادات الموجهة إلى السياسة الإسرائيلية وبين معاداة السامية، حيث تحاول الحكومة الإسرائيلية المزج بينهما وتستخدم صفة معاداة السامية سلاحا لإسكات منتقدي سياساتها".
 
وأعلن الرجل أن ما يقال عن أن اليهود يتعرضون بأوروبا في الآونة الأخيرة لنوع من العنصرية أمر غير صحيح وأن "الحقيقة هي أن العنصرية في أوروبا تطول السود والآسيويين والمسلمين وليس اليهود الذين يحاولون دائما إظهار أنهم مضطهدون بسبب دينهم" مضيفا أن اليهود يشعلون الغضب والعنف في أنحاء العالم "وبصفتي عمدة للندن فإن الصمت عن مثل هذا الإجحاف لن يكون خطأ فقط ولكنه أيضا يعد تجاهلا للتهديد الذي يمثله هذا الإجحاف على الأمن لكل سكان لندن".
 
هذه التصريحات النارية وغير المعهودة من مسؤول أوروبي بهذا المستوى  ليست المرة الأولى التي تصدر عن ليفينغستون، ففي يناير/ كانون الثاني الماضي فاجأ الجميع حينما وقف في مؤتمر صحفي دعا إليه ليعلن أن الحملة الإعلامية التي تعرض لها الداعية الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي أثناء زيارته لبريطانيا في يوليو/ تموز 2004 والاعتراضات التي أثيرت ضد ليفينغستون شخصيا على خلفية استقباله للقرضاوي في سيتي هول -المقر الإداري لبلدية لندن- "يقف وراءها الموساد الإسرائيلي واليمين البريطاني المتطرف بالتنسيق مع مركز أبحاث يتخذ من بريطانيا مقرا له ويديره عقيد سابق بالمخابرات الإسرائيلية".
 
كانت تلك التصريحات مفاجأة جديدة للجميع، ولم يكتف وقتها بما أعلنه وإنما دعا من خلال شاشة قناة الجزيرة من تقدموا بتقرير إلى "مجلس الشكوى الإعلامي" في بريطانيا معترضين على هذه التصريحات وتلك المواقف إلى أن يزيدوا من معرفتهم بحقيقة الإسلام، وقال إن وسائل الإعلام في بريطانيا "تعاني من الكثير من الجهل بحقائق الإسلام وبرجاله" وأكد على ضرورة اعتذار الإعلام البريطاني للقرضاوي، وبأهمية وضع حد لمثل هذه الإساءات لأي زعيم إسلامي في المستقبل.
 
وفي معرض استرجاع مواقع ليفينغستون أيضا لا يزال ماثلا في الذاكرة تلك الهزة الفكرية التي أحدثها تصريح له حول موقفه من الحجاب في بريطانيا خاصة وأوروبا بشكل عام، فقد دافع علانية عن حق المسلمات في ارتداء الحجاب، ولم يكتف بالتصريحات الإعلامية فقط لعرض وجهة نظره وإنما قام باتخاذ خطوات عملية لرؤية موقفه الفكري حقيقة على أرض الواقع، وكان من أبرز هذه الخطوات تلك الرسالة التي بعثها في فبراير/ شباط 2004 إلى رئيس الوزراء الفرنسي جان بيير رافاران حثه فيها على إعادة النظر في "التضييق على الحريات الدينية الأساسية في فرنسا".
 
ثم تمثلت الخطوة العملية البارزة الأخرى والتي بدأت معها بقوة شهرته باستضافته في الثاني عشر من يوليو/تموز 2004 مؤتمرا حول حق المسلمات في ارتداء الحجاب بأوروبا، وقد شارك في هذا المؤتمر عدد من الشخصيات الإسلامية البارزة ولفيف من أعضاء البرلمانين الأوروبي والبريطاني.
 
ليفينغستون لا يقبل الحديث عن ضرورة اعتذاره لليهود عن أي تصريح يصدر عنه، ويقول إنه يختار عباراته بدقة، وهو مسؤول عن كل كلمة يتفوه بها، وبأن ما قاله عن شارون على سبيل المثال مستندا إلى لجنة تحقيق إسرائيلية رأسها القاضي إسحق كاهان عام 1983 خلصت إلى أن المسؤولية عن مجزرة صبرا وشاتيلا تقع بصورة مباشرة على شارون بوصفه وزيرا للدفاع آنذاك وبصورة غير مباشرة على دولة إسرائيل، ومن ثم فإنه -ليفينغستون- يرفض أن تقمع أي جهة حريته في إبداء رأيه فيما يعتقد أنه صحيح.
 
لكن يبدو أن قضية حرية الرأي والتعبير هذه لم تعد حصنا آمنا بالقدر الكافي يمكن أن يحتمي بداخله الأفراد أصحاب الآراء الخاصة لاسيما إذا كانت تلك الآراء متعلقة بإسرائيل، فليفينغستون يتعرض حاليا لضغوط شديدة من قبل "المجلس التمثيلي لليهود في بريطانيا" الذي قدم شكوى ضده إلى مجلس المؤسسات العامة البريطانية وهو مجلس يملك عمليا سلطة وقف العمدة عن العمل ومنعه من الحياة العامة لمدة سنة إذا تطلب الأمر ذلك، ويخضع عمدة لندن حاليا لتحقيق رسمي لمعرفة ما إذا كانت هذه التصريحات مخالفة لقواعد حسن السلوك في المجلس البلدي للندن.
 
وإلى أن يقول مجلس المؤسسات كلمته سيظل كين ليفينغستون شخصية مثيرة للجدل، ومن غير المتوقع أن تتوقف تصريحاته وتهدأ عواصفه قريبا، بل ربما تتزايد حدة نقاشاته وسخونة مواقفه وتصريحاته -رغم برودة الطقس في بريطانيا هذه الأيام- كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية العامة في مايو/ أيار القادم، وهي انتخابات قد تفسر بدورها كثيرا من الدوافع والمواقف والآراء.
______________

المصدر : غير معروف