علوني توجس من إعادة اعتقاله وكانت شكوكه بمحلها (الفرنسية-أرشيف)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

هل تذكرون غريبا عاده شجن     من ذكركم وجفا أجفانه الوسن

أو تحفظون عهوداَ لا أضيعها    إن الكرام بحفظ العهد مُمتحن

                                                        (ابن زيدون)

في الثامنة والنصف من مساء الخميس السابع عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني كنت في مكتب الجزيرة أحاول إنهاء شريط وثائقي عن مصارعة الثيران، وكانت تنقصه الفقرة الأخيرة وتنقصه إعادة تسجيل النص بصوتي بعد تعديله.

اتفقت مع الزملاء على إعادة التسجيل في اليوم التالي ولم يكن هناك سبب واضح لتأجيل التسجيل ولكن لأمر أراده الله عز وجل، خرجت من المكتب وإذا بأربعة أشخاص ينتظرونني ويطلبون مني مرافقتهم، لم أناقش أبدا، فقط طلبت الاتصال بعائلتي فأبوا علي ذلك وقالوا سنتصل بهم لاحقا، قالوا إن الاعتقال جاء بناء على طلب من المحكمة الوطنية والشرطة لاعلاقة لها بذلك وسيحضر بعض أفراد شرطة مدريد غدا لنقلك إلى العاصمة للمثول أمام المحكمة الوطنية.

كان أمرا غريبا جدا فآخر ما أعرفه من المحكمة هو أن المدعي العام قال في آخر جلسة وبالحرف الواحد "لازلت على شكوكي في صلابة مؤشرات أو قرائن الاتهام".

لاحظوا لم يستخدم كلمة "أدلة" بل تحدث عن "مؤشرات وقرائن" وكانت كل الملابسات تشير إلى أنه لن يوجه أي اتهام وبذلك سيتم حفظ القضية في الأرشيف فإذا بي أفاجأ بهذا الاعتقال وممن؟ من المحكمة الوطنية فحدثتني نفسي بأنهم سيوجهون إلي اتهامات جديدة، إلا أنني وعندما وصلت إلى مخفر الشرطة وجدت معتقلا آخر متهما معي في الملف نفسه، سألته فأجاب بأنه لايعرف شيئا ولكن بعض رجال الشرطة أخبروه أن هناك اعتقالات شاملة لجميع المتهمين في الملف.

كانت ليلة ليلاء في مخفر الشرطة فلم تكن هناك تدفئة كانت الزنزانة انفرادية ومظلمة، طلبت من الشرطي بطانيات فجاء ببطانيات مبلولة، طالبت بتغييرها ففعل ولكن جاءني بأخرى مبلولة فأدركت أنه لافائدة، أغلقت أزرار ملابسي وحاولت النوم فلم استطع فالقلق والبرد يساعدان على السهر ثم جاء ماهو أمرّ.. أحضروا سبع أو ثماني فتيات روسيات أو من أوروبا الشرقية لعلهن مومسات على الزنزانة المجاورة وقضين الليل في الضحك والصياح والغناء. ضحكت في قرارة نفسي من هذا الموقف وتذكرت الألوف المؤلفة من السجناء في العالم الثالث والعالم الأول (غوانتانامو) فوجدتني أفضل حالاَ بكثير فحمدت الله تعالى واستغفرته.

في الصباح قدموا لي ساندويتش جبن وسمحوا لي بتناول الدواء الذي أرسلته زوجتي ثم سمحوا لي بدخول الحمام، وبعدها أتى ستة من الشرطة الشباب من مدريد وأخذوني في سيارة والمعتقل الآخر في سيارة أخرى وتخللت الرحلة أحاديث كثيرة وفهمت منهم أنهم من الجيل الجديد من الشرطة ويريدون تعلم اللغة العربية وشيئا من الإسلام.

سألني أحدهم عن أفضل مكان لتعلم لغة عربية سليمة وبسرعة فأجبته في الفلوجة، راقت له المزحة وتشعبت الأحاديث. كانوا شبابا في العشرينات وقدرت أنهم يحتاجون إلى عشر سنوات ليفهموا شيئا مفيدا عن الثقافة العربية وعن الإسلام ليصبحوا متخصصين في مكافحة ما يسمونه الإرهاب الإسلامي.

جلسة المحكمة كانت مليئة بالمفاجآت، المحامي قابلني قبل الجلسة بقليل وقال إنه يشعر بأن هناك أمرا مدبرا وأن ماحصل لا يبشر بأي خير.

خلال الجلسة تقدم المدعي العام بمرافعة تناقض تماما مرافعته التي أدلى بها قبل يومين فقط في المحكمة نفسها، فبعد أن أعطى انطباعا بأنه لن يوجه الاتهام إلى أربعة أشخاص على الأقل أنا بينهم جاء اليوم بكلام مناقض تماما وأضاف أن موعد المحاكمة يقترب وأن هناك خطرا لأن بعض المتهمين سيحاولون الهرب.

كنت أنظر أحيانا إلى وجوه المحامين وكانوا بدورهم ينظرون إلى  المدعي العام وأفواههم مفتوحة وعلامات الدهشة على وجوههم، مرافعة المحامين، وكانوا أكثر من عشرة، دحضت جميع حجج المدعي العام وقال له محاميِّ الخاص أنه يطلب التسجيلات الخاصة بالجلسة التي انعقدت قبل يومين ليذكره بالتناقض الصارخ في أقواله وأوضح له بعض العيوب الإجرائية في قرار الاعتقال. 

بعد الجلسة وقبل النطق بالحكم، اقترب مني المحامي وقال إنه يشعر أن هناك أملا بألا يرسلوني إلى السجن لأنه بدا له أن القضاة (كانوا ثلاثة، امرأتان ورجل) كانوا يدونون بعض الملاحظات ويستمعون إلى مرافعات المحامين باهتمام، ولكن بعد صدور القرار بإيداع الجميع رهن السجن الاحترازي تبخرت هذه الآمال وشعرنا بأننا إنما كنا نحضر مسرحية وأن الأحكام كانت مُعدة بشكل مسبق فترحمنا على أيام صدام حسين.

"
رئيس الحكومة السابق أثنار ذكر في  البرلمان أن حكومته اعتقلت 120 ممن سماهم الإرهابيين الإسلاميين ولكنه لم يذكر أن معظمهم لم توجه إليهم أية اتهامات وأن البقية لازالت بانتظار المحاكمة منذ أكثر من ثلاث سنوات
"
نقلونا إلى زنزانات المحكمة وبدأت أحاول تحليل وفهم ما حصل وربطه ببعض الأحداث السابقة، ففي منتصف رمضان جرت اعتقالات على دفعتين شملت ثمانية وعشرين شخصا مغاربة وجزائريين، وزعمت الشرطة أنهم كانوا يخططون لتفجير مقر المحكمة الوطنية في مدريد لم يرد في الأخبار أنهم ضبطوا لدى المعتقلين أي أدلة مادية وأن الاعتقالات جرت بناء على مراقبة مكالماتهم الهاتفية بالإضافة إلى أن عشرة من المتهمين في هذه القضية موجودون أصلا في السجن، ومع ذلك وجهوا لهم الاتهام بأنهم يخططون لهذه المؤامرة من داخل السجن.

ومن الأمور المشككة أيضا في هذه الاعتقالات هي أن القاضي هو نفسه الذي يحاكمني (أقصد قاضي التحقيق) الذي توجه إليه دائما انتقادات سافرة ويسمونه القاضي النجم الأول بحب الظهور في وسائل الإعلام، عندما رأيت هذه الأخبار التي رافقتها حملة إعلامية ضخمة تخللها مناظر كثير من اعتداءات الحادي عشر من مارس/ آذار، أيقنت أن هؤلاء الناس أبرياء على الأرجح وأن المقصود هو الضجة الإعلامية ليس إلا.

علمت فيما بعد أيضا أن أحد القضاة أصدر أمرا بتنفيذ حكم صادر سابقا بحق إمام مسجد فوينخوبيرو (جنوب إسبانيا)، هذا الحكم صدر بسبب اتهام الإمام المذكور بأنه يروج ويشجع على إساءة معاملة المرأة وذلك من خلال كتاب عن المرأة في الإسلام الصادر في عام 1997.

الحكم يقضي بسجن الإمام خمسة عشر شهرا والعادة في القانون الإسباني هي أن الأحكام التي تقل عن عامين لا يجري تنفيذها إذا كان المتهم ليس من ذوي السوابق الجنائية، وبعد صدور الحكم بقي الإمام طليقا لعدة أشهر وفجأة يقرر القاضي أن وجوده طليقا يعتبر خطرا على المجتمع، فيا سبحان الله كل هذه الأشهر التي قضاها طليقا لم يكن خطرا على المجتمع وفجأة، ولأمر دبّر بليل، أصبح الرجل خطرا على المجتمع.

بعد هذه المؤشرات ومؤشرات وأحداث أخرى أدركت أن هناك نوايا لتوجيه رسالة إلى المسلمين المقيمين في إسبانيا وعددهم يناهز المليون معظمهم من المغرب العربي، مضمون هذه الرسالة هي تخويف هذه الجالية وجعلها تعيش في قلق دائم فأية مكالمة هاتفية مع أحد المتهمين في إحدى قضايا الإرهاب ربما تعرض صاحبها للاعتقال لمدة مفتوحة قد تصل إلى أربع سنوات وبدون أدلة واضحة.

من الممكن أيضا أن الحكومة الحالية تريد توجيه رسالة إلى جهة معينة خارج إسبانيا خصوصا إذا علمنا أن علاقاتها بالولايات المتحدة ساءت بعد سحب القوات الإسبانية من العراق، وهذه الحكومة الآن مستميتة في تحسين هذه العلاقات بكل الوسائل، بالإضافة إلى التنافس القائم بينها وبين الحكومة اليمينية السابقة فكل منهم يقول إنه يتفوق على الآخر في مكافحة الإرهاب وكل منهما يتخذ إجراءات أكثر قسوة من الآخر، وبما أن الضحية هم من الجالية المسلمة الذين لا بواكي لهم فلا بأس.

رئيس الحكومة السابق أثنار ذكر في  البرلمان أن حكومته اعتقلت 120 ممن سماهم الإرهابيين الإسلاميين، ولكنه لم يذكر أن معظمهم لم توجه إليهم أية اتهامات وأن البقية لازالت بانتظار المحاكمة منذ أكثر من ثلاث سنوات. هذه لا يذكرها، ولا يذكرها الإعلام الإسباني المنقسم إلى قسمين كل منهما يتبع أحد الحزبين الرئيسيين المتنافسين على الحكم، ولا يوجد إعلام وسط ولا إعلام مهني في هذا البلد وأظن أن الكل متواطئ لتبرير وتسويغ ما تفعله الأحزاب السياسية، وكما قلت من قبل بما أن الضحية هي الجالية المسلمة فلا بأس.

وبعد نقلنا إلى السجن توالت المفاجآت وأولها كانت تصنيفي ومن معي كـ "إرهابيين خطرين" بما يحمله ذلك من مضايقات أولها العزل والمنع من أي اتصال مع العالم الخارجي أو مع من هم داخل السجن، وكنت لا أعرف ما يدور في الخارج لمدة تسعة أيام كاملة مع الحرمان من التدفئة في الزنزانة بحجة أن جهاز التدفئة معطل فأعطوني بطانيتين زادوها واحدة وكلها مهترئة وممزقة ومن نوعية سيئة، بعدها نقلوني لوحدي إلى سجن آخر حيث وضعوني أيضا في نظام العزل ويسمحون لي بالخروج إلى فناء ضيق نسبيا وعالي الجدران (عشرة أمتار) ساعتين في الصباح وساعتين في المساء والعشرين ساعة الباقية كلها داخل زنزانة منفردة ولا ألتقي يوميا سوى بسبعة مساجين لا أعرفهم ولا أتبادل معهم أية أحاديث.

أنا ملزم إذا أردت إرسال رسالة إلى عائلتي أن أرسلها مفتوحة لتخضع للمراقبة ويسمحون لي بثلاث مكالمات هاتفية كل أسبوع كل منها خمس دقائق وهي مسجلة أيضا، باختصار أنا في سجن داخل السجن لأن هذا المكان يرسلون إليه المساجين المعاقبين أو الذين يدخلون في مشاجرات أو يرتكبون مخالفات خطيرة.

"
أطلب من جميع زملائي الصحفيين أن يسألوا أي مسؤول إسباني يقابلونه، عما يحصل لي ولكثيرين هنا في إسبانيا، أن يسألوه عن الأحكام المعدة سلفا، أن يسألوا عن تقرير منظمة العفو الدولية حول التعذيب في إسبانيا والذي يمارس في السجون ومراكز الشرطة
"
مع ذلك أتذكر سجون العالم الثالث والعالم الأول والأول جدا وأحمد الله وأستغفره.

أدعو جميع أنصار العدالة ومحبي السلام والحرية ألا يوفروا أية وسيلة سلمية ومشروعة للاحتجاج على هذه الأوضاع وعلى سوء المعاملة الذي يتعرض له أبناء الجالية المسلمة من قبل القضاة وأجهزة الأمن الإسبانية، كما أطلب من جميع زملائي الصحفيين الذين ساندوني مشكورين خلال فترة اعتقالي السابقة أن يسألوا أي مسؤول إسباني يقابلونه، عما يحصل لي ولكثيرين هنا في إسبانيا، أن يسألوه عن الأحكام المعدة سلفا، أن يسألوا عن تقرير منظمة العفو الدولية حول التعذيب في إسبانيا والذي يمارس في السجون ومراكز الشرطة.

وبعد جلسة المحكمة التي انعقدت في الثامن عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني وكانت مهزلة ومسرحية بكل معنى الكلمة، أنا سأدعو مراقبين دوليين متخصصين في الشؤون القانونية وحقوق الإنسان إلى حضور محاكمتي التي أخشى أن تكون أحكامها معدة سلفا، خصوصا وأن القضاة متهمون بإطلاق سراح أحد منفذي اعتداءات الحادي عشر من مارس/ آذار قبل الموعد المحدد نتيجة خطأ قضائي، وهم الآن يعيشون عقدة ذنب أظن أنها ستنعكس علي وعلى جميع المتهمين في هذا الملف أو غيره من أبناء الجالية المسلمة.

بعد ما حصل معي أيقنت أن إسبانيا تعيش ديمقراطية ذات مستوى سيئ كما قال أحد سياسييها العريقين مؤخرا، وبالنسبة لي أعتقد أن دولة القانون والضمانات الدستورية معطلة وجميع الاحتمالات واردة بما فيها احتمال إدانتي بدون أدلة ولا أستبعد أن الهدف من ذلك هو تشويه سمعة "الجزيرة" وحتى لو رفعت طلب استئناف وربحته فهدف التشويه سيتحقق.

أخيرا وبالنسبة لأعمال الاحتجاج السلمية أؤكد أنها يجب أن تتركز على المسؤولين الإسبان وليس على الشعب الإسباني الذي أثبت أنه شعب متضامن مع جميع القضايا الإنسانية العادلة في العالم، هذا شعب لا يستحق إلا كل خير وهو شعب واع ومدرك لكثير من الألعاب السياسية السخيفة التي مارستها وتمارسها حكوماته، هذا شعب لم يفلح الإعلام الموجه والمغرض والمرتزق في تغيير قناعاته تجاه القضايا العادلة في العالم وخصوصا العالم العربي، ولعلنا نتذكر المظاهرات المليونية الضخمة التي خرجت هنا ضد الحرب والضغط الشعبي الذي نجح في سحب القوات الإسبانية من العراق وأوقف مشاركتها في هذه الحرب القذرة.

والحق أن الصحافة الإسبانية كتبت عني وعن الجزيرة هذه المرة بشكل معتدل مع بعض الاستثناءات، أما الصحافة العربية فلا أدري ماذا كتبت وأنا واثق من تضامن الأغلبية من زملائي عدا بعض الصحفيين الذين كانوا يتمنون أن يروني في السجن، ولا أدري لماذا؟ فأنا لا أتذكر أنني أسأت إلى أحد منهم بل على العكس، ولعلهم باعوا أقلامهم لمن يدفع أكثر ولعل الهدف في النهاية هو قناة الجزيرة.

والسلام عليكم

تيسير علوني

مدريد 5 ديسمبر/ كانون الأول 2004 

المصدر : الجزيرة + اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني